الارشاد و التطريز - اليافعي، عبدالله بن اسعد - الصفحة ١١٧ - الباب الثاني في شيء من الوعظ و مدح الصالحين و رياضاتهم و أقوالهم و معاملاتهم و فضائلهم و كراماتهم
و حياء الاستحقار كموسى ٧، قال: إنّه لتعرض لي الحاجة من الدنيا، فأستحي أن أسألك يا ربّ. فقال له: سلني حتى ملح عجينك، و علف شاتك.
و حياء [الإنعام] هو حياء الرّبّ سبحانه و تعالى، يدفع إلى العبد كتابا مختوما بعد ما عبر الصراط، و إذا فيه مكتوب: يا عبدي، فعلت ما فعلت، و لقد استحييت منك أن أظهره عليك. و قال يحيى بن معاذ: سبحان من يذنب العبد فيستحي منه[١].
* و قال أبو بكر الورّاق رضي اللّه عنه: ربّما أصلّي للّه ركعتين، فأنصرف عنهما، و أنا بمنزلة من ينصرف عن السرقة من الحياء.
* و قال الأستاذ أبو القاسم الجنيد رضي اللّه عنه: الفتوّة بالشّام، و اللّسان بالعراق، و الصّدق بخراسان.
* و قيل: سأل شقيق البلخيّ[٢] السيد الجليل، معدن الفتوّة، و سلالة النبوة، جعفر بن محمد[٣] عن الفتوّة، فقال له: ما تقول أنت؟ فقال شقيق: إن أعطينا شكرنا، و إن منعنا صبرنا، فقال جعفر: الكلاب بالمدينة كذلك تفعل. فقال شقيق: يا ابن بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، ما الفتوة عندكم؟ فقال: إن أعطينا آثرنا، و إن منعنا شكرنا.
* و قيل: إنّ رجلا نام بالمدينة من الحاجّ، فتوهّم أنّ هميانه[٤] سرق، فخرج في طلبه، فرأى جعفرا الصادق، فتعلّق به، و قال: أخذت همياني. فقال له: إيش كان فيه؟ قال:
ألف دينار. فأدخله داره، و وزن له ألف دينار، فرجع الرجل إلى منزله، فرأى هميانه في بيته، و كان قد توهّم أنّه سرق، فخرج إلى جعفر معتذرا، و ردّ عليه الدنانير، فأبى أن يقبل،
[١] -الرسالة القشيرية ٣٣٩. باب الحياء، و ما بين معقوفين مستدرك منه.
[٢] -شقيق بن إبراهيم الأزدي البلخي زاهد صوفي، من مشاهير المشايخ في خراسان، و لعله أول من تكلم في علوم القوم بكور خراسان، و كان من كبار المجاهدين، استشهد في غزوة كولان بما وراء النهر سنة ١٩٤ ه.
[٣] -جعفر بن محمد الباقر بن علي زين العابدين الهاشمي أبو عبد اللّه الملقب بالصادق( ٨٠- ١٤٨ ه)، سادس الأئمة الاثني عشر عند الإمامية، كان من أجلاء التابعين، و له منزلة رفيعة في العلم، أخذ عنه جماعة منهم الإمامان أبو حنيفة و مالك، و لقب بالصادق لأنه لم يعرف عنه الكذب قطّ. كان جريئا صداعا بالحق، مولده و وفاته في المدينة.
[٤] -الهميان: كيس للنفقة يشدّ في الوسط. متن اللغة( همن).