الارشاد و التطريز - اليافعي، عبدالله بن اسعد - الصفحة ١٠٦ - الباب الثاني في شيء من الوعظ و مدح الصالحين و رياضاتهم و أقوالهم و معاملاتهم و فضائلهم و كراماتهم
إنسان إلى الشيخ، و قال: يا سيدي، نذرت للفقراء كذا و كذا من الحبّ، فأخذه الحراميّة.
و جاء آخر إليه أيضا، و قال: نذرت للفقراء ثورا، فنهب. فقال لهما الشيخ: قد وصل إلى الفقراء متاعهم. فبقي الفقهاء يضربون يدا على يد متندمين على ترك موافقة الفقراء[١].
* و كان الشيخ رضي اللّه عنه ينكر السّماع[٢]، و يقاتل من يتعاطاه في أوّل أمره، ثم رجع عن ذلك في الآخر، و سببه أنّه قدم عليه بعض المشايخ الكبار في جمع من الفقراء، عازمين على أن يدخلوا عليه قريته بالسّماع، فأمر أهل قريته أن يخرجوا لقتالهم بالعيدان، و خرج معهم، فلمّا تقاربوا، و القادمون في حال السماع، أخذه حال، و صار يدور كما يدور أهل السماع الواجدون، فتعجّب أصحابه منه، و كلّموه في ذلك، فقال: و عزّة من له العزّة، ما درت حتى رأيت السماء دارت[٣].
* و أنشدوا[٤]:
|
يرنّحني إليك الشّوق حتّى |
أميل من اليمين إلى الشّمال |
|
|
كما مال المعاقر عاودته |
حميّا الكأس حالا بعد حال |
|
|
و يأخذني لذكراك ارتياح |
كما نشط الأسير من العقال |
|
* و كان هذا الشيخ رضي اللّه عنه صبّاغا، أعني يصبغ النّاس، و ينقلهم من الصّفات الدّنية إلى الصفات السّنية.
* روي أنّه وقفت بين يديه مغنية، فغشيت و وقعت، فلمّا أفاقت، طلبت التوبة و صحبة الفقراء، و كانت من المترفات المترعّنات[٥]، فقال لها الشيخ: إنّا نذبحك، أ تصبرين على الذبح؟ فقالت: نعم. فأمرها أن تسقي الماء للفقراء. فمكثت ستّة أشهر تحمل الماء على ظهرها، قد تبذّلت و تبدّلت عن حالها الأول. ثم قالت للشيخ: إنّي قد اشتقت إلى ربّي.
فقال لها الشيخ: يوم الخميس تلقين ربّك. فماتت يوم الخميس رحمها اللّه[٦].
[١] -روض الرياحين ٣٦٤( الحكاية: ٣١٦).
[٢] -في هامش( ج): السماع كلّ ما يستلذه الإنسان من صوت حسن طيب.
[٣] -روض الرياحين ٣٢٨( الحكاية: ٢٧٩).
[٤] -الأبيات للشريف الرضي. انظر الديوان صفحة ٤٢٣.
[٥] -في هامش( أ): الرعونة ضد الخشونة، أي المنعّمات.
[٦] -روض الرياحين ٣٦٤( الحكاية: ٣١٦).