الارشاد و التطريز - اليافعي، عبدالله بن اسعد - الصفحة ١٩٠ - الباب الرابع في فضل تلاوة القرآن، و أهله العاملين به
المقرئ[١] في حراز[٢] من بلاد اليمن رضي اللّه عنه و نفع به، قرأ عليه بعض المبتدعين القراءات السبع و حقّقها، و اجتمع له الإتقان و حسن الصوت، فلمّا رجع إلى بلاده أعجب أصحابه تحقيقه و حسن صوته، و قالوا: ما أحسن هذا، لو كان شيخك منّا. فقال:
و ما عليّ من ذاك، أخذت العسيلة، و تركت الظّرف. فبلغ الشّيخ محمد بن زاكي المذكور ذلك، فجمع أصحابه و قال: اقرءوا سورة يس حتى ترجع إلينا عسيلتنا. فقرءوا، فذهب حفظ ذلك الشخص، و بقي لا يعرف شيئا من القرآن أصلا، فعرف من أين أتي، ثم جاء إلى الشيخ المذكور مستغفرا تائبا من مذهبه، و دخل في مذهب الشيخ الصالح المذكور و هو شافعيّ المذهب، ثم ابتدأ يتعلّم القرآن كما يتعلّم المبتدئ، و بلغ إلى خمس روايات، ثم مات رحمه اللّه. و لمّا حكيت هذه الحكاية للسيد الجليل الشيخ الصالح أبي عبد اللّه القصري المقرئ رحمه اللّه، و نفع به قال لي: إن كنت قرأت على هذا الشيخ المذكور- يعني ابن زاكي- قرأت عليك، يقول لي هذا و هو إذ ذاك شيخ القرّاء، لشدّة محبّته في الصالحين، إذ كلّ جنس يميل إلى جنسه.
* و أخبرنا بعض شيوخنا رضي اللّه عنهم: أنّه كان بعض الشيوخ في بلاد الهند، و كان السّلطان يعظّمه، فحسده بعض الكفار البراهمة[٣] هناك، و قال للسّلطان: هذا ما هو على شيء، فاجمع بيني و بينه، حتى أبيّن لك حاله. فعقد له مجلسا، فلمّا اجتمعا، و اجتمع الناس، قال الحكيم البرهمي للشيخ المسلم المذكور: إن كنت صادقا فطر مثلي. ثم ارتفع في الهواء، و بقي يعنّف الشيخ و يعيبه، و يستهزئ به، فأخذ الشيخ يقرأ و يقول: اللهم انصر دينك، فانقلب البرهميّ على رأسه منكّسا يصرخ و يستغيث، و ربّما خرج منه الحدث، فافتضح و أعزّ اللّه دينه.
* و من بركة القرآن الكريم أيضا أنّه مات بعض الناس، و كان ركيك الحال، قبيح
[١] -محمد بن عبد اللّه بن زاكي عالم عارف بالقراءات، انتفع الناس به، و قصدوه، اشتهر عنه أنه كان يقرئ الجن. مات سنة ٧٠٨ ه. طبقات المناوي ٣/ ٩٥.
[٢] -جاء في طبقات الخواص للشرجي صفحة ١٣٩: و كان مسكن المقرئ بناحية جبل حراز. و هو من جبال اليمن المشهورة.
[٣] -البراهمة: عباد الهنود المجوس، و ذهادهم، أو قوم لا يجوزون على اللّه بعثه الرسل. متن اللغة( برهم).