الارشاد و التطريز - اليافعي، عبدالله بن اسعد - الصفحة ١٨٩ - الباب الرابع في فضل تلاوة القرآن، و أهله العاملين به
بعضهم يمدح الوحدة، و يذمّ الخلطة، فقلت له: قد قالوا: المخالطة أفضل لمن يسلم فيها. فقال: و من ذا الذي يسلم في المخالطة؟! ثم سمعت ناسا قريبا منّا يتجادلون في الاعتقاد في مسألة الجهة[١]، و إذا واحد منهم يقول: إن لم يكن جهة، فليس للوجود صانع- تعالى اللّه عن ذلك القول- ثم بعد ساعة سمعت صوت إنسان يعاقب، ثم جاء إلينا ناس، فسألت بعضهم عن ذلك الذي يصرخ: من هو؟ فأخبروني أنّه الشخص المعتقد الجهة، الذي قال القول المذكور.
ثم رأيت كأنّي في طريق واسع، و إذا قد دهمني جند كأنّهم عسكر سلطان، ركبان على خيل وحدها، أو معها هجان، و هم يمسكون النّاس و يمتحنونهم في اعتقادهم، فداخلني منهم خوف، و خشيت أن يمسكوني، فمرّوا بجنبي، و قالوا لي: اثبت على اعتقادك؛ فأنت على الحقّ. و لم يتعرّضوا لي بمكروه، فذهب عنّي الرّوع، ثم ذهبوا، فرأيت بقربي بئرين و خضرة كالبساتين أو المزارع هناك، و إذا إنسان يقول: هذه بئر فلان، و ذكر بعض العلماء، ثم قال: حسب أنها أوسع، أو قال: أغزر ماء من البئر الأخرى، و أشار إلى أنّه أخطأ في وهمه.
ثم استيقظت، و فكّرت في منامي، ففهمت جميع إشاراته إلّا البئرين، و نسبة إحداهما إلى الرّجل المذكور، اختصاصه بها من بين الناس، و ظنّه أنّها خير من البئر الأخرى، ثم ذكرت بعد ساعة أنّ الشخص المذكور باعتقاد الجهة مشهور مخالف للجمهور، ففهمت عند ذلك معنى ذلك. هذا كلّه بعد قراءة السّورة المذكورة كما ذكرنا.
* و أخبرني بعض الإخوان أنّه مات بعض الناس في بعض بلاد اليمن، فلمّا فرغوا من دفنه، و افترق الناس، بقي هناك شيخ من الأولياء يقال له العابدي- بالدال المهملة- رضي اللّه عنه و نفع به، قعد يصلّي المغرب في مسجد هناك، ثم سمع ضربا في القبر و دقّا عنيفا، ثم رأى كلبا خرج من القبر، فقال له الشيخ: ويحك، أيش أنت؟ قال: أنا عمل الميت. قال: و أيش هذا الضرب الذي سمعت، فيك أو فيه؟ قال: بل فيّ، وجدت عنده سورة يس و أخواتها، و حيل بيني و بينه و طردت.
* و كذلك سمعت الحكاية المستفاضة المشهورة أنّ الشيخ محمد بن زاكي
[١] -مسألة الجهة أي هل اللّه تعالى موجود في السماء، أم هو في كلّ مكان.