الارشاد و التطريز - اليافعي، عبدالله بن اسعد - الصفحة ١٩١ - الباب الرابع في فضل تلاوة القرآن، و أهله العاملين به
الفعال عفا اللّه عنّا و عنه، و كان بيني و بينه معرفة، فقرأت شيئا من القرآن، و أهديته إليه.
و كان غائبا في بلد بعيد، فجاءني الخبر أنّه رآه بعض أصحابه في النوم، و قال له: سلّم على فلان، و قل له جزاه اللّه عنّي خيرا كما أهدى إليّ القرآن.
* و رأيت والدي رحمه اللّه و عامله بفضله و كرمه في النّوم بعد موته، و هو كالعتبان عليّ لكونه مات و أنا غائب غيبة طويلة، و قال: لو كنت تجد ما أجد، ما كنت تغيب هذا القدر.
فقلت له: أما علمت أنّ يعقوب ٧ غاب عنه ابنه كذا و كذا سنة؟ قال: يا ولدي، أو تشبهنا بالأنبياء؟ أو قال: صبرنا بصبر الأنبياء؟[١] فوجلت من هذه الرؤيا لكوني لم أر منه إقبالا عليّ. فلزمت قبره جماعة أيام أقرأ عليه القرآن. فرأيته في أول جمعة من رجب في النوم بعد المنام الأول بليال، فرحّب بي، و بشّ في وجهي، و قال: الحمد للّه الذي منّ عليّ بثلاث خصال: الأولى الاجتماع، ثم انتبهت قبل أن يذكر لي الخصلتين الأخريين، و أسأل اللّه الكريم أن يعامله بكلّ خير.
* و كذلك رأيت والدتي رحمها اللّه من بعد ما قرأت القرآن، و أهديته إليها مرارا.
رأيت كأنّ قبرا مفتوحا قد دخلت فيه، فإذا هو واسع، و لا أرى فيه أحدا إلّا أرجل سرير، فرفعت طرفي فإذا السرير عال، و إذا عليه شخص نائم، فقلت: ما أقبح فعال بني الدنيا! ما يتركون الرّعونة و الترفّه، حتى بعد الموت يدخلون في القبور السّرر للموتى، فإذا صاحب السّرير يناديني إليه، فصعدت، فإذا هي والدتي رحمها اللّه تعالى برحمته الواسعة، و جزاها عنّي أفضل الجزاء، فسلّمت عليّ سلاما بغاية الشّفقة و الرأفة، و سألتني عن أخ لي كان حيّا، و ودّعتني، فانتبهت و وجدت الشّجن بذلك السلام. و الشفقة البالغة في قلبي مدّة طويلة، حتى إذا ذكرت ذلك وجدت تأثيره إلى الآن[٢].
* و رأيت في النوم أيضا بعض شيوخي الذي أقرأني القرآن بعد موته، و إذا هو لابس في ساقيه خلخالين، و نصف كلّ واحد منهما ذهب و النّصف الآخر فضة، في جهة الطّول، و ليست بينهما لحمة و لا انفصال أصلا- أعني الذّهب و الفضة- و هما يحيّران العقل
[١] -في روض الرياحين ٢٤٥( الحكاية ١٦٨): صبرنا كصبر الأنبياء.
[٢] -انظر الخبر مطولا في روض الرياحين ٢٤٣( الحكاية ١٦٤).