الارشاد و التطريز - اليافعي، عبدالله بن اسعد - الصفحة ٥٩ - الباب الثاني في شيء من الوعظ و مدح الصالحين و رياضاتهم و أقوالهم و معاملاتهم و فضائلهم و كراماتهم
عنه قد أسند ظهره إلى الكعبة يعظ الناس، فوقف عليه الحسن و قال له: ما ملاك الدّين؟
فقال: الورع. قال: ما آفة الدّين؟ قال: الطمع. فتعجّب الحسن منه.
* و روي أنّ السيد الجليل ابن المبارك[١] رضي اللّه عنه رجع من خراسان إلى الشام لردّ قلم استعاره من هناك.
* و رجع أبو يزيد[٢] من بسطام إلى همدان، لردّ نملة وجدها في قرطم[٣] اشتراه من هناك، و قال: غرّبتها عن وطنها.
و رجع إبراهيم بن أدهم رضي اللّه عنه من بيت المقدس إلى البصرة لردّ تمرة.
* و قالت أخت بشر الحافي للإمام أحمد بن حنبل رضي اللّه عنه: إنّا نغزل على سطوحنا، فتمرّ بنا المشاعل- تعني مشاعل ولاة الأمر- قالت له: فهل يجوز لنا الغزل في شعاعها؟ فقال: من أنت عافاك اللّه؟ قالت: أخت بشر الحافي. فبكى الإمام أحمد و قال:
من بيتكم يخرج الورع الصادق، لا تغزلي في شعاعها.
فانظر رحمك اللّه إلى قوّة تقوى هؤلاء السّادات و تشبّه بهم، إن أردت نيل السعادة، فمن نحا نحوهم فهو السعيد حقّا، و ليس السّعادة في الدّنيا كما يقول الجهّال الحمقى، الذين يفرحون بالمال و لا يعقلون قول المولى، و لا يسمعون قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس: ٥٨].
فاحذر أن تفرح بالمال و الزّينة، أو تتمنّى ذلك، فإنّه فتنة و أيّ فتنة:
|
و لا قطّ تغبط أهل دنيا فإنّهم |
غدا يغبطونك يحزنون و تفرح |
|
|
فما ذاك إلّا فتنة أيّ فتنة |
بها شهدت طه عن الحقّ تفصح |
|
[٤]
[١] -عبد اللّه بن المبارك التميمي المروزي( ١١٨- ١٨١ ه) شيخ الإسلام، التاجر المجاهد، صاحب التصانيف و الرحلات، أفنى عمره في الأسفار حاجا و مجاهدا و تاجرا، و جمع الحديث و الفقه و العربية و أيام الناس و الشجاعة و السخاء، مات قرب الفرات منصرفا من غزو الروم.
[٢] -طيفور بن عيسى البسطامي، أبو يزيد، و يقال بايزيد( ١٨٨- ٢٦١ ه) زاهد مشهور، له أخبار كثيرة.
و هو ربما أول من قال بمذهب الفناء، و منهم من يقول إنه كان يقول بوحدة الوجود.
[٣] -القرطم: حبّ العصفر. متن اللغة( قرطم).
[٤] -إشارة إلى قوله تعالى في سورة طه: ١٣١: وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَ رِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ أَبْقى.