الارشاد و التطريز - اليافعي، عبدالله بن اسعد - الصفحة ١٢٢ - الباب الثاني في شيء من الوعظ و مدح الصالحين و رياضاتهم و أقوالهم و معاملاتهم و فضائلهم و كراماتهم
عليها [و إحلالها بعقوبة الذل] بما يذكّرها من حقارة قدرها، و خساسة أصلها، و قذارة فعلها. و جهد العوام في توفية[١] الأعمال، و قصد الخواصّ إلى تصفية الأحوال، فإنّ مقاساة الجوع و السهر يسير، و معالجة الأخلاق و التنقّي عن سفاسفها صعب شديد، و من غوامض آفات النفس ركونها إلى استحلاء المدح، فإنّ من تحسّى منه جرعة حمل السّماوات و الأرضين مثلا على أشفاره[٢]، و أمارة ذلك أنّه إذا انقطع عنه ذلك الشّراب آل حاله إلى الكسل و الفشل[٣].
* و قال: من لم يكن في بدايته صاحب مجاهدة، لم يجد من هذه الطريقة شمّة.
* و قال يحيى بن معاذ: من لم ينظر في الدّقيق من الورع، لم يصل إلى الجليل من العطاء.
* و قيل: إنّ مالك بن دينار رضي اللّه عنه مكث في البصرة أربعين سنة لم يأكل من تمر[٤] البصرة، و لا من رطبها، حتى مات و لم يذقه. و كان إذا انقضى وقت الرّطب قال:
يا أهل البصرة، هذا بطني ما نقص منه شيء، و لا زاد فيكم.
* و قيل لإبراهيم بن أدهم: أ لا تشرب من ماء زمزم؟ فقال: لو كان لي دلو لشربت.
* و كان رجل يكتب رقعة و هو في بيت بكراء، فأراد أن يترّب الكتاب من جدار البيت، فخطر بباله أنّ البيت بالكراء، ثم إنّه خطر بباله: لا خطر لهذا، فترّب الكتاب، فسمع هاتفا يقول: سيعلم المستخفّ بالتّراب ما يلقاه غدا من طول الحساب.
* و عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنّه قال: جلساء اللّه غدا أهل الورع و الزهد.
* و قال الأستاذ أبو علي الدّقاق رضي اللّه عنه: الزّهد أن تترك الدّنيا كما هي، لا تقول: أبني رباطا، و أعمّر مسجدا.
* و أنشد بعضهم:
|
إذا ما لم تكن ملكا مطاعا |
فكن عبدا لمالكه مطيعا |
|
[١] -في المطبوع: ترقية.
[٢] -في هامش( أ): الشفر بالضم، و قد تفتح حرف جفن العين الذي ينبت عليه الشعر.« النهاية».
[٣] -الرسالة القشيرية ١٩٨، باب المجاهدة.
[٤] -في( ب): ثمر.