الارشاد و التطريز - اليافعي، عبدالله بن اسعد - الصفحة ١٠٢ - الباب الثاني في شيء من الوعظ و مدح الصالحين و رياضاتهم و أقوالهم و معاملاتهم و فضائلهم و كراماتهم
اليقظة، ثم صار بعد ذلك يرى نورا، و كان حين يسقى يجد قوّة و أحوالا، لو لا أنّه يمسكه عند ذلك سبعة من الرّجال الأقوياء، لهام و رمى نفسه في المهالك، و حين رأى النور وجد ضعفا.
و سألني بعض الصالحين: أيّ الحالين أفضل؟ فقلت: هذا شيء لم يبلغه حالي، فكيف أتكلّم في شيء لا أعرفه؟[١].
* و أنشد بعضهم:
|
سقوني و قالوا لا تغنّ و لو سقوا |
جبال حنين ما سقوني لغنّت |
|
* و روى بعضهم عن الشيخ المزيّن الكبير[٢]، أنّه قال: كنت بمكّة، فوقع بي انزعاج، فخرجت أريد المدينة، فلمّا وصلت إلى بئر ميمون[٣]، إذا بشابّ مطروح، و هو في النزع، فقلت: لا إله إلا اللّه، ففتح عينيه، و أنشأ يقول:
|
أنا إن متّ فالهوى حشو قلبي |
و بداء الهوى يموت الكرام |
|
ثم مات. قال: فغسّلته، و كفّنته، و صلّيت عليه، فلمّا فرغت من دفنه، سكن ما كان بي من إرادة السفر، فرجعت إلى مكّة[٤].
* و قال الشيخ أبو بكر الكتّاني رضي اللّه عنه: جرت مسألة بمكّة أيام الموسم في المحبّة، فتكلّم الشيوخ فيها، و كان الجنيد أصغرهم، فقالوا: هات ما عندك يا عراقي.
فأطرق رأسه، و ذرفت عيناه، ثم قال: [المحبّ] عبد ذاهب عن نفسه، متّصل بذكر ربّه، قائم بأداء حقوقه، ناظر إليه بقلبه، أحرق قلبه أنوار هيبته[٥]، و صفا شربه من كأس ودّه، و انكشف له الجبار من أستار غيبه، فإن تكلّم فباللّه، و إن نطق فمن اللّه، و إن تحرّك
[١] -روض الرياحين ٣٨٧( الحكاية ٣٤٥).
[٢] -أبو جعفر المزين الكبير، جاور الحرم سنين و مات به، كان مجتهدا متعبدا، و كان من أورع القوم، و أكملهم حالا، توفي سنة ٣٢٨. انظر الطبقات الصغرى للمناوي ١١٦، و سير أعلام النبلاء ١٥/ ٢٣٢.
[٣] -بئر ميمون بأعلى مكة منسوب لمن حفره، عنده قبر أبي جعفر المنصور. و في الأصول ميمونة، و المثبت من معجم البلدان.
[٤] -روض الرياحين ١٦٤( الحكاية ٨٢).
[٥] -في( ج): أنوار حكمته.