الارشاد و التطريز - اليافعي، عبدالله بن اسعد - الصفحة ١٤٩ - الباب الثاني في شيء من الوعظ و مدح الصالحين و رياضاتهم و أقوالهم و معاملاتهم و فضائلهم و كراماتهم
ففهم من ذلك شيئا أزعجه، و أخرجه هائما على رأسه إلى مكّة، فجاور بها و تعبّد، و ترك التّدريس.
قلت: و هذا الشعر المذكور يفهم منه الموفّق أنّ عمره قد ولّى، و قارب الفوت، و ضاق عن الاتساع للاشتغال بالاستعداد للموت، فيبادر بالعزائم الكبار إلى مواصلة الأعمال بالليل و النهار، و يطرب فيها كما يطرب شارب العقار، متلذّذا بالخدمة و المنادمة للملك الغفّار، معرضا عن دار الاغترار، مشتاقا إلى دار القرار.
* و قال الشيخ الكبير العالم العارف سفيان اليمني[١] رضي اللّه عنه، و نفع به: قيل لي: إذا أردتنا فأترك القولين و الوجهين.
* و بلغني أنّ الشيخ الإمام السيد محيي الدّين النواوي رضي اللّه عنه أوصى إخوته عند موته بالتعبّد، و نهاهم عن التغلغل في الاشتغال بالعلوم.
* و قال القاضي الإمام أبو بكر ابن عربي[٢] رضي اللّه عنه في بعض كتبه: لقيت الإمام أبا حامد الغزالي رضي اللّه عنه في البرّية، و عليه مرقّعة، و بيده ركوة و عكاز[٣]، و قد كان يحضر مجلسه نحو مائة عمامة من أبناء الأمراء، أو كما قال- و قال غيره: كان يدرّس ثلاث مائة- و قال ابن عربي: فقلت له: يا إمام، أ ليس تدريس العلم ببغداد خير من هذا؟ فنظر إلى شزرا، و قال: لما بزغ بدر السعادة في ملك الإرادة- أو قال: في سماء الإرادة- و جنحت شمس الأصول إلى مغارب الوصول:
|
تركت هوى سعدى و ليلى بمعزل |
و عدت إلى تصحيح أوّل منزل |
|
|
و نادت بي الأشواق مهلا فهذه |
منازل من تهوى روديك فانزل |
|
[١] -سفيان بن عبد اللّه الأبيني اليمني فقيه عارف عالم زاهد، له كرامات، مات أواخر القرن السابع.
طبقات المناوي ٢/ ٤١٨.
[٢] -محمد بن عبد اللّه بن محمد الإشبيلي المالكي أبو بكر بن العربي( ٤٦٨- ٥٤٣ ه). قاض من حفاظ الحديث، رحل للمشرق، و برع في الأدب، و بلغ رتبة الاجتهاد، صنف كتبا في الحديث و الفقه و الأصول و التفسير و التاريخ و الأدب، ولي قضاء إشبيلية، مات بقرب فاس.
[٣] -في هامش( أ): أي عمي.