الارشاد و التطريز - اليافعي، عبدالله بن اسعد - الصفحة ٧٤ - الباب الثاني في شيء من الوعظ و مدح الصالحين و رياضاتهم و أقوالهم و معاملاتهم و فضائلهم و كراماتهم
سرجه: و اللّه، ما لهذا خلقت، و لا بهذا أمرت. فنزل عن مركوبه، و صادف راعيا لأبيه، فأخذ جبّة للرّاعي من صوف، فلبسها، و أعطاه فرسه و ما معه، ثم دخل البادية.
* و يروى له أيضا رضي اللّه عنه هذان البيتان:
|
تركت الخلق طرّا في رضاكا |
و أيتمت العيال لكي أراكا |
|
|
فلو قطّعتني في الحبّ إربا |
لما حنّ الفؤاد إلى سواكا |
|
[١]* و قال بعضهم: صحبت إبراهيم بن أدهم فمرضت، فأنفق عليّ نفقته، فاشتهيت شهوة، فباع حماره و أنفق عليّ، فلما تماثلت، قلت: يا إبراهيم، أين الحمار؟ قال:
بعناه. فقلت: فعلى ما أركب؟ فقال: يا أخي، على عنقي. فحملني ثلاثة منازل.
* و قيل الصّحبة على ثلاثة أقسام، أحدها: أن يصحب شيخا فوقه في الرّتبة، فأدبه الخدمة، و ترك الاعتراض، و حمل ما يبدو منه على وجه جميل، و تلقّي أحواله بالإيمان.
و الثاني: أن يصحب من هو دونه، فأدبه الشّفقة و الرّحمة و النّصيحة، و التنبيه على المساوئ و النقصان، و إلّا كانت خيانة. و الثالث: أن يصحب من هو في درجته ممّن هو نظيره، فأدبه الإيثار و الفتوّة و التّعامي عن عيوبه، و حمل ما يرى منه على وجه من التأويل جميل ما أمكن، فإن لم يجد تأويلا عاد على نفسه بالتّهمة و اللّوم. و أنشدوا في هذا المعنى:
|
و لا خير فيمن لا يرى عيب نفسه |
و يعمى عن العيب الذي بأخيه |
|
* و قال أبو عثمان الحيري[٢]: الصّحبة مع اللّه بحسن الأدب، و دوام الهيبة، و المراقبة. و الصّحبة مع الرّسول صلى اللّه عليه و سلم باتّباع سنّته، و لزوم ظاهر العلم. و الصّحبة مع أولياء اللّه بالاحترام و الخدمة، و الصّحبة مع الأهل بحسن الخلق، و الصّحبة مع الإخوان بدوام البشر ما لم يكن إثما، و الصّحبة مع الجهّال بالدّعاء لهم و الرحمة عليهم.
* و قيل: تذاكروا بين يدي يحيى بن معاذ[٣] في الفقر و الغنى، فقال يحيى: إنّ الفقر
[١] -البيتان في روض الرياحين ١٦٧( الحكاية: ٨٥) و صدر البيت الأول فيه: هجرت الخلق طرا في هواكا.
[٢] -أبو عثمان الحيري، سعيد بن إسماعيل شيخ الجماعة، و مقدم الطائفة، أصله من الري، و سكن نيسابور، سمع الحديث، قال عنه الخطيب البغدادي: كان مجاب الدعوة. مات سنة ٢٩٨.
[٣] -يحيى بن معاذ الرازي واعظ زاهد، لم يكن له نظير في وقته، أقام ببلخ، و مات في نيسابور سنة ٢٥٨.