الارشاد و التطريز - اليافعي، عبدالله بن اسعد - الصفحة ١١٠ - الباب الثاني في شيء من الوعظ و مدح الصالحين و رياضاتهم و أقوالهم و معاملاتهم و فضائلهم و كراماتهم
النّسر أصغر من الحلقة الأخرى، و لكن هذه الصغرى أبهى من الكبرى، فقصدت الحلقة الصّغرى، فإذا مقدّمها الإمام الشافعي رضي اللّه عنه، فلمّا رآني أشار إليّ أن آتي الحلقة الأخرى الكبرى، فجئت فإذا مقدمها الإمام أبو حامد الغزالي رضي اللّه عنه، فلمّا رآني قال: غفر اللّه لهم، ثم قرأت عليه سورة تبارك الملك على قصد البركة.
* و روينا عن الشيخ الفقيه الإمام العارف باللّه، رفيع المقام الذي اشتهرت عنه الكرامات العظيمة، و ترادفت، و قال يوما للشمس: قفي فوقفت، حتى وصل إلى زبيد[١]، من مكان بعيد، أبي الذّبيح إسماعيل ابن الشيخ الفقيه الإمام العارف، ذي المناقب و الكرامات و المعارف، محمد الحضرمي رضي اللّه عنهما، أنّه سأله بعض الطاعنين في الإمام حجّة الإسلام أبي حامد الغزالي رضي اللّه عنه، في فتيا أرسل بها إليه: هل تجوز قراءة كتب الغزالي؟ فقال رضي اللّه عنه في الجواب: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون. محمد بن عبد اللّه سيّد الأنبياء، و محمد بن إدريس سيّد الأئمة، و محمد بن محمد بن محمد الغزاليّ سيد المصنّفين. هذا آخر جوابه رضي اللّه عنه.
قلت: و إنّما سمّاه سيد المصنفين: لأنّه تميّز عن المصنفين بكثرة المصنّفات البديعات، و غاص في بحار العلوم[٢]، و استخرج منها الجواهر النفيسات، و سحر العقول بحسن العبارات، و ملاحة الأمثلة و بداعة الترتيب و التقسيمات، و البراعة في الصناعة العجيبة، مع جزالة الألفاظ، و بلاغة المعاني الغريبات، و الجمع بين علوم الشريعة و الحقيقة، و الأصول جزالة الألفاظ، و بلاغة المعاني الغريبات، و الجمع بين علوم الشريعة و الحقيقة، و الأصول و الفروع، و المعقول و المنقول، و التّدقيق و التحقيق، و العلم و العمل، و بيان معالم العبادات و العادات، و المهلكات و المنجيات، و إبراز محاسن أسرار المعارف المحجّبات العاليات[٣]، و الانتفاع بكلامه علما و عملا، لا سيما أرباب الديانات، و الدعاء إلى اللّه سبحانه برفض الدنيا و الخلق، و محاربة الشيطان و النفس، بالمجاهدة و الرّياضات، و إفحام الفرق أيسر عنده من شرب الماء بالبراهين القاطعات، و توبيخ علماء السوء الرّاكنين إلى الظّلمة، و المائلين إلى الدنيا الدنية، أولي الهمم الدّنيّات، و غير ذلك ممّا لا يحصى، مما جمع في تصانيفه من المحاسن الجليلات، مما لم يجمعه مصنف فيما علمنا، و لا يجمعه
[١] -زبيد مدينة مشهورة باليمن، أحدثت في أيام المأمون، بإزائها ساحل المندب. معجم البلدان.
[٢] -صنف الدكتور عبد الرحمن بدوي كتابا عن مؤلفات الغزالي و ما نسب إليه فبلغت ٤٥٧ كتابا.
[٣] -في( ب) و( ج): الغاليات.