الارشاد و التطريز - اليافعي، عبدالله بن اسعد - الصفحة ٧٥ - الباب الثاني في شيء من الوعظ و مدح الصالحين و رياضاتهم و أقوالهم و معاملاتهم و فضائلهم و كراماتهم
و الغنى لا يوزنان يوم القيامة، و إنّما يوزن الصّبر و الشّكر، فتعالوا بنا نشكر و نصبر.
* و قال أبو حمدان المغازليّ: كان ببغداد رجل فرّق على الفقراء أربعين ألف درهم، فقال لي سمنون: يا أحمد، أما ترى ما قد أنفق هذا، و ما قد عمله؟ و نحن ما نجد شيئا، فامض بنا إلى موضع نصلّي بكلّ درهم أنفقه ركعة، فمضينا إلى المدائن[١]، و صلّينا أربعين ألف ركعة.
* و قيل: كان بعضهم يتلطّف في إدخال الرّفق على إخوانه، يضع عندهم ألف درهم فيقول: أمسكوها حتى أعود إليكم، ثم يرسل إليهم: أنتم منها في حلّ.
* و قال أبو جعفر الحدّاد[٢] أستاذ الجنيد: كنت بمكّة فطال شعري، و لم يكن معي قطعة، فتقدّمت[٣] إلى مزيّن توسّمت فيه الخير، و قلت: تأخذ شعري للّه تعالى؟ فقال:
نعم و كرامة. و كان بين يديه رجل من أبناء الدّنيا، فصرفه و أجلسني، و حلق شعري، ثم دفع إليّ قرطاسا فيه دراهم، و قال: تستعين بها على بعض حوائجك. فأخذتها، و اعتقدت أن أدفع إليه أول شيء يفتح عليّ، قال: فدخلت المسجد، فاستقبلني بعض إخواني، و قال: جاء بعض إخوانك بصرّة من البصرة فيها ثلاث مائة دينار، قال: فأخذت الصّرّة، و حملتها إلى المزيّن، و قلت: هذه ثلاث مائة دينار تصرفها في بعض أمورك. فقال: أ لا تستحي يا شيخ؟ تقول لي احلق شعري للّه، ثم آخذ عليه شيئا! انصرف عافاك اللّه.
* و عن الشّبليّ[٤] رضي اللّه عنه قال: قال لي خاطري يوما: أنت بخيل، فقلت له:
ما أنا بخيل. فقال: بلى، أنت بخيل. فقلت له: ما أنا بخيل، فقال: بلى أنت بخيل.
فنويت أنّ أوّل شيء يفتح عليّ أعطيه أوّل فقير ألقاه، فما تمّ هذا الخاطر حتى دخل عليّ
[١] -المدائن عاصمة الدولة الساسانية، و تقع أطلالها جنوب شرق بغداد بحوالي ٢٥ كم، كان فتحها على يد سعد بن أبي و قاص سنة ١٦ ه. الموسوعة العربية الميسرة.
[٢] -أبو جعفر الحداد صحب أبا تراب النخشبي، مكث عشرين عاما يعمل كل يوم بدينار، و ينفقه على الفقراء. الطبقات الصغرى للمناوي ١١٥.
[٣] -في( ج): فقدمت.
[٤] -أبو بكر الشبلي، دلف بن جحدر( ٢٤٧- ٣٣٤ ه) كان في بدايته واليا في دنباوند، و ولي الحجابة للموفق العباسي، و كان أبوه حاجب الحجاب، ثم ترك الولاية، و عكف على العبادة، و اشتهر بصلاحه، له شعر جيد.