الارشاد و التطريز - اليافعي، عبدالله بن اسعد - الصفحة ١٤٧ - الباب الثاني في شيء من الوعظ و مدح الصالحين و رياضاتهم و أقوالهم و معاملاتهم و فضائلهم و كراماتهم
|
شغل المحبّ عن الحبيب بسرّه |
في حبّ من خلق الهواء و سخّره |
|
|
العارفون عقولهم معقولة |
عن كلّ كون ترتضيه مطهّره |
|
|
فهمو لديه مكرّمون و عنده |
أسرارهم محفوظة و محرّرة |
|
قال: فأوجز في صلاته، و قال: إنّما فعلت هذا لأجل هذا المنكر الذي معك، و أنا أبو العباس الخضر. و لم أكن أعلم أنّ صاحبي ينكر كرامات الأولياء، فالتفتّ إليه و قلت:
يا فلان، أ كنت تنكر كرامات الأولياء؟ قال: نعم. قلت: فما تقول الآن؟ قال: ما بعد العيان ما يقال.
* و قال أيضا: دعانا بعض الفقراء إلى دعوة بزقاق القناديل[١] بمصر، فاجتمع بها جماعة من المشايخ، فقدّم الطعام، و عجزت الأوعية، و هناك وعاء زجاج جديد قد اتّخذ للبول، و لم يستعمل بعد، فغرف فيه ربّ المنزل الطعام، فالجماعة يأكلون، و إذا الوعاء يقول: منذ أكرمني اللّه بأكل هؤلاء السّادات منّي، لا أرضى لنفسي أن أكون بعد ذلك محلّا للأذى، ثم انكسر نصفين، قال فقلت للجميع: سمعتم ما قال الوعاء؟ قالوا: نعم. قلت:
ما سمعتم؟ فأعادوا القول الذي تقدّم، قال: فقلت: قال قولا غير ذلك. قالوا: و ما هو؟
قلت: قال: كذلك قلوبكم، قد أكرمها اللّه بالإيمان، فلا ترضوا لها بعد ذلك أن تكون محلّا لنجاسة المعصية و حبّ الدنيا.
* و قال بعضهم: همّة تجول حول العرش، و همّة تجول حول الحشّ[٢]، فمن كانت همّته ما يدخل، كان قيمته ما يخرج[٣].
* و قيل: قصد جماعة من الفقهاء زيارة بعض المشايخ، فلمّا أتوه صلّوا خلفه، فسمعوه يلحن، فتغيّر اعتقادهم فيه، فلمّا باتوا تلك الليلة أجنبوا كلّهم، فخرجوا في السّحر يغتسلون، و وضعوا ثيابهم عند بركة ماء هناك، و نزلوا في الماء، فجاء الأسد و جلس على ثيابهم، فلاقوا شدّة من شدّة البرد، و لم يقدروا أن يخرجوا، فجاء الشيخ، و أخذ بأذن الأسد، و قال: أما قلت لك لا تتعرّض لضيفاني؟ ثم قال لهم: أنتم اشتغلتم بتقويم الظاهر، فخفتم الأسد، و نحن اشتغلنا بتقويم الباطن، فخافنا الأسد.
[١] -زقاق القناديل: تجاه الجانب الشرقي من جامع عمرو بن العاص. الخطط المقريزية ٣/ ١٦٥( سوق الكتبيين).
[٢] -في هامش( أ): أي بيت الخلاء.
[٣] -في( أ): فمن كان همّه ما يدخل، كان قيمته ما يخرج.