شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٤ - الخطبة السادسة و التسعون في بيان ما فيه المعتبر و المزدجر للنفوس
المصالح ترك محبوب لا بدّ من مفارقته تركا باستدراج النفس و استغفالها كى لا يقدحها مفارقته دفعة مع تمكّن محبّته عن جوهرها فيبقى كمن نقل من معشوقه إلى موضع ظلمانىّ شديد الظلمة .
الثاني: تشبيه كونها مبلية لأجسامهم و إن أحبّوا تجديدها و إبلائها بالأمراض و الهرم،و من شأن الموذى أن يجتنب لا أن يحبّ إصلاحه .ثمّ أردف ذلك بتمثيلهم في الكون بها فمثّلهم بالسفر و مثّلها بسبيل هم سالكوه،و من سلك سبيلا فكأنّهم قطعوه فالمشبّه هم باعتبار سرعة سيرهم و قرب الآخرة منهم و قطع منازل الأعمار، و المشبّه به قاطع ذلك السبيل:أى من سلك سبيلا أشبه في سرعة سيره من قطعه ثمّ لمّا كان لا بدّ لكلّ طريق سلك من غاية يقصد فمن سلك سبيلا فكأنّهم بلغوا تلك الغاية:أى أشبهوا في قرب وصولها من بلغها و هو تخويف بالموت و ما بعده و تحقير لمدّة البقاء في الدنيا و المقام فيها ،و أكّد ذلك بقوله: و ما عسى المجرى إلى الغاية أن يجرى إليها حتّى يبلغها :أى إجرائه إليها بسير سريع،و في بعض النسخ: و كم عسى ،و التقدير و كم يرجو الّذي يجرى إلى غاية من إجرائه إليها حتّى يبلغها،و هو استفهام في معنى التحقير لما يرجوه من مدّة الجرى،و هي مدّة الحياة الدنيا،و مفعول المجرى محذوف و التقدير المجرى مركوبه.و لمّا لم يكن الغرض إلاّ ذكر الإجراء لا جرم حذف المفعول.و قد يجيء لازما،و كذلك استعارة بالكناية قوله: و ما عسى أن يكون بقاء من له يوم لا يعدوه.إلى قوله:يفارقها :أى و ما يرجى و يؤمل أن يكون من ذلك البقاء،و كان هنا تامّة و هو في الموضعين استفهام على سبيل التحقير لما يرجى من البقاء في الدنيا و الانكار على المؤمّل الراجى له ، و عنى بالطالب الحثيث الموت و أسند إليه الطلب مجازا و استعار له لفظ الحد و، و قد علمت وجه هذه الاستعارة،و كنّى بذلك الحد و عمّا يتوهّم من سوق أسباب الموت للبدن إليه .
[و قوله:و لا تنافسوا.إلى قوله:إلى فناء .]
و قوله: و لا تنافسوا.إلى قوله:إلى فناء.
نهى عن اعتبار شيء من أحوالها:خيرها و شرّها.فمن خيرها عزّها و فخرها