شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٣٦ - الخطبة الثالث و المائة في ذكر ما للإسلام من الأوصاف المحمودة
و الهداية للإيمان و ما في تلك المنزلة من الفضل حتّى عمّت حرمتها إمائهم و جيرانهم و إن كانوا غير مسلمين ،و عظّمهم من لا فضل لهم عليه و لا يد لهم عنده،و هابهم من لا يخاف سطوتهم.و ظاهر أنّ سبب ذلك كلّه هو كرامة اللّه لهم بالإسلام و الهداية للإيمان .ثمّ لمّا قرّر نعمة اللّه عليهم أردف ذلك بالتوبيخ لهم على اتتقصير في أداء واجب حقّه، و أشار إلى ارتكابهم لبعض مسبّبات كفران نعمته و هو عدم إنكارهم لما يرون من نقض عهود اللّه و سكوتهم عليها و عدم غضبهم منها كالراضين بذلك،و أراد بذلك بغى البغاة و خروج الخوارج و سائر المنكرات الّتى وقعت من أهل الشام و غيرهم،خالفوا فيها أمر اللّه و نكثوا بيعته الّتى هى عهد من عهود اللّه عليهم فإنّ السكوت على مثل ذلك مع التمكّن من إزالته و إنكاره بالجهاد منكرهم راكبوه،و الواو فى قوله:و أنتم للحال:
أى و أنتم مع ذلك تأنفون لنقض ذمم آبائكم فكان يجب منكم بطريق الأولى أن تأنفوا لعهود اللّه أن تنقض و ذممه أن تخفر .ثمّ ذكّرهم تقريطهم و تهاونهم في الأمور الّتى كان اللّه سبحانه فرضها عليهم و جعلهم موردها و مصدرها من امور الإسلام و أحكامه و التسلّط به على سائر الناس و بكّتهم بتمكينهم الظلمة في منزلتهم تلك من الإسلام، و أراد بالظلمة معاوية و قومه و بتمكينهم لهم تخاذلهم عنهم و إلقائهم أزمّة الامور إليهم بذلك، استعارة و لفظ الأزمّة مستعار ،و الامور الّتى سلّموها إليهم أحوال بلاد الإسلام.كلّ ذلك بالتقصير عن مجاهدتهم .و عملهم بالشبهات :عملهم على وفق أوهامهم الفاسدة و آرائهم الباطلة الّتى يتوهّمونها حججا فيما يفعلون ،و سيرهم في الشهوات :قطع أوقاتهم بالانهماك في مقتضيات الشهوة .
و قوله: و أيم اللّه.إلى آخره.
تحذير لهم و إنذار بما سيكون من بنى اميّة من جمع الناس في بلائهم و شرورهم و عموم فتنتهم ، كناية و كنّى باليوم عن مدّة خلافتهم الّتى كانت شرّ الأوقات على الإسلام و أهله ،و إنّما نسب التفريق إليهم و الجمع إلى اللّه تقريرا لما سينزل به قدره من ابتلاء الخلق بهم فإنّهم لو فرّقوهم في أطراف البلاد لم يغنهم ذلك التفريق عن لحوق قدر اللّه لهم و لم يمنعهم من نزوله بجميعهم بما يراد لهم من الابتلاء بدولة بنى اميّة