شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٣٥٦ - الخطبة المائة و خمس و سبعون يحذّر فيها من متابعة الهوى،و يحثّ فيها على الاستقامة و لزوم الصدق
و النهى عن جميع الرذائل الموبقة. استعارة ثم استعار لفظى الشافع و المشفّع .و وجه الاستعارة كون تدبّره و العمل بما فيه ماحيا لما يعرض للنفس من الهيئات الرديئة من المعاصي،و ذلك مستلزم لمحو غضب اللّه كما يمحو الشفيع المشفّع أثر الذنب عن قلب المشفوع إليه،و ذلك سرّ الخبر المرفوع ما من شفيع من ملك و لا نبىّ و لا غيرهما أفضل من القرآن،و كذلك لفظ القائل المصدّق،و وجه الاستعارة كونه ذا ألفاظ إذا نطق بها لا يمكن تكذيبها كالقائل الصادق.ثمّ أعاد معنى كونه شافعا مشفّعا يوم القيامة .ثمّ استعار لفظ المحل للقرآن،و وجه الاستعارة أنّ لسان حال القرآن شاهد في علم اللّه و حضرة ربوبيّته على من أعرض عنه بعدم اتّباعه و مخالفته لما اشتمل عليه،و تلك شهادة لا يجوز عليها الكذب فبالواجب أن يصدق فأشبه الساعى إلى السلطان في حقّ غيره بما يضرّه .
[و قوله:فإنّه لا ينادى مناد يوم القيامة.إلى آخره.]
و قوله: فإنّه لا ينادى مناد يوم القيامة.إلى آخره.
فالمنادى هو لسان حال الأعمال،و الحرث كلّ عمل تطلب به غاية و تستخرج منه ثمرة،و الابتلاء هاهنا ما يلحق النفس على الأعمال و عواقبها من العذاب بقدر الخروج فيها عن طاعة اللّه،و ظاهر أنّ حرث القرآن و البحث عن مقاصده لغاية الاستكمال به برىء من لواحق العقوبات.ثمّ حثّهم على أن يكونوا من حرثته و أتباعه ،و أن يستدلّوه:أى يتّخذوه دليلا قاعدا إلى ربّهم،و أن يستنصحوه على انفسهم:أى يتّخذوه ناصحا على نفوسهم الأمّارة بالسوء لكونها هي الغاشية لهم يقودها إلى معصية اللّه،و كون القرآن زاجرا لهم عمّا تأمرهم به تلك النفوس فيجب أن تقبل نصيحته عليها،و كذلك اتّهموا عليه آرائكم :أى إذا رأيتم رأيا يخالف القرآن فاتّهموا ذلك الرأى فإنّه صادر عن النفس الأمّارة بالسوء،و كذلك قوله: و استغشّوا فيه أهوائكم ،و إنّما قال هنا:استغشّوا،و قال في الآراء:اتّهموا لأنّ الهوى هو ميل النفس الأمّارة من غير مراجعة العقل فإذا حكمت النفس عن متابعتها بحكم فهو غشّ صراح،و أمّا الرأي فقد يكون بمراجعة العقل و حكمه، و قد يكون بدونه فجاز أن يكون حقّا،و جاز أن يكون باطلا فكان بالتهمة أولى .