شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٠١ - الخطبة الحادية عشر و المائة في الترغيب إلى التقوى،و ذكر شيء من أوصاف الدنيا
قوله : لا جاء يردّ :أى من آفات الدهر كالموت و القتل و نحوهما ، و لا ماض يرتدّ :
أى من الأموات و الفائت من القنيات .
الثانية عشر:قوله:أنّه ليس شيء بشرّ من الشرّ إلاّ عقابه.إلى قوله:سماعه.
يحتمل أن يريد الشرّ و الخير المطلقين،و يكون ذلك للمبالغة.إذ يقال للأمر الشريف و الشديد:هذا أشدّ من الشديد و أجود من الجيّد،و يحتمل أن يريد شرّ الدنيا و خيرها فإنّ أعظم شرّ في الدنيا مستحقر في عقاب اللّه،و أعظم خير فيها مستحقر بالنسبة إلى ثواب اللّه .ثمّ أكّد ذلك بأعظميّة أحوال الآخرة بالنسبة إلى أحوال الدنيا.و مصداق كلامه عليه السّلام أنّ أعظم شرّ يتصوّر الإنسان بالسماع و يستهوله و يستنكره ممّن يفعله صورة القتل و الجراح فإذا وقع في مثل تلك الأحوال و شاهدها و اضطرّ إلى المخاصمة و المحاربة سهل عليه ما كان يستصعبه منها و هان في عينه ذلك الوقع و الخوف،و كذلك لا يزال الإنسان يتخوّف المثول بين يدي الملوك و يتصوّر عظمتهم و بطشهم إلى أن يصل إلى مجالسهم فإنّه يجد من نفسه زوال ذلك الخوف.فكانت مشاهدة ما كان يتصوّره شرّا عظيما أهون عنده من وصفه و السماع له، و كذلك حال الخير فإنّ الإنسان لا يزال يحرص على تحصيل الدرهم و الدينار و غيرهما من سائر مطالب الدنيا،و يكون قلبه مشغولا بتحصيله فرحا بانتظار وصوله فإذا وصل إليه هان عليه.و هو أمر وجدانىّ،و أمّا أحوال الآخرة فالّذي يسمعه من شرورها و خيراتها إنّما يلاحظها بالنسبة إلى خيرات الدنيا و شرورها،و ربّما كانت في اعتبار أكثر الخلق أهون من خيرات الدنيا و شرورها لقرب الخلق من المحسوس و قرب الدنيا منهم و ذوقهم لها دون الآخرة مع قيام البرهان العقلىّ على ضعف الأحوال الحاضرة من خير و شرّ بالقياس إلى أحوال الآخرة فلذلك كان عيان أحوالها أعظم من سماعها .و إذا كانت الحال كذلك فينبغى أن يكتفى من العيان بالسماع، و من الغيب بالخبر حيث لا يمكن الاطّلاع على الغيب و مشاهدة العيان لتلك الأحوال في هذه العالم .ثمّ نبّه على أفضليّة الآخرة بأنّ ما زاد فيها ممّا يقرّب إلى اللّه تعالى فإن استلزم نقصان الدنيا من بذل مال أو جاه خير من العكس.و بيان هذه الخيريّة