شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٩١ - الخطبة التاسع و المائة في الاشارة إلى حقيقة الموت
عنه بعد مفارقة البدن إلى أن تعاد إليه في القبر أو يوم القيامة،و ما كان مدركا لها لنفسها من غير آلة فهو باق معها يتنعّم به و يفرح أو يحزن من غير حاجة إلى هذه الآلة في بقاء تلك العلوم و الإدراكات الكلّيّة لها هناك.و قد ضرب للمفارقة الّتي سمّيناها بالموت مثلا:فقيل:كما أنّ بعض أعضاء المريض متعطّل بحسب فساد المزاج يقع فيه أو بحسب شدّة تعرّض للأعصاب فتمنع نفوذ الروح فيها فتكون النفس مستعملة لبعض الأعضاء دون ما استقصى عليها منها فكذلك الموت عبارة عن استقصاء جميع الأعضاء كلّها و تعطّلها،و حاصل هذه المفارقة يعود إلى سلب الإنسان عن هذه الأعضاء و الآلات و القينات الدنيويّة من الأهل و المال و الولد و نحوها، و لا فرق بين أن تسلب هذه الأشياء عن الإنسان أو يسلب هو عنها.إذ كان المولم هو الفراق،و قد يحصل ذلك بنهب مال الرجل و سبى ذريّته،و قد يحصل بسلبه و نهبه عن ماله و أهله.فالموت في الحقيقة هو سلب الانسان عن أمواله بإزعاجه إلى عالم آخر فإن كان له في هذا العالم شيء يأنس به و يستريح إليه فبقدر عظم خطره عنده يعظم تحسّره عليه في الآخرة و تصعب شقاوته في مفارقته،و يكون سبب عظم خطره عنده ضعف تصوّره لما اعدّ للأبرار المتّقين في الآخرة ممّا يستحقر في القليل منه أكثر نفائس الدنيا.فأمّا إن كانت عين بصيرته مفتوحة حتّى لم يفرح إلاّ بذكر اللّه و لم يأنس إلاّ به عظم نعيمه و تمّت سعادته.إذ خلّى بينه و بين محبوبه فقطع علائقه و عوائقه الشاغلة له عنه و وصل إليه و انكشف له هناك ما كان يدركه من السعادة بحسب الوصف انكشاف مشاهدة كما يشاهد المستيقظة من نومه صورة ما رآه في النوم.
و الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن ملك الموت عبارة عن الروح المتولّى لإفاضة صورة العدم على أعضاء هذا البدن و لحال مفارقة النفس له،و لعلّه هو المتولّى لإفاضة صورة الوجود عليها لكنّه بالاعتبار الأوّل يسمّى ملك الموت.ثمّ لمّا كانت النفوس البشريّة إنّما تدرك المجرّدات ما دامت في هذا العالم و تستثبتها بأن تستصحب القوّة المتخيّلة معها فيتحاكى ما كان محبوبا منها للنفس و مستبشرا بلقائه بصورة بهيّة كتصورّها