شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٩٠ - الخطبة التاسع و المائة في الاشارة إلى حقيقة الموت
الْجَنِينَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ- أَ يَلِجُ عَلَيْهِ مِنْ بَعْضِ جَوَارِحِهَا- أَمْ الرُّوحُ أَجَابَتْهُ بِإِذْنِ رَبِّهَا- أَمْ هُوَ سَاكِنٌ مَعَهُ فِي أَحْشَائِهَا- كَيْفَ يَصِفُ إِلَهَهُ- مَنْ يَعْجَزُ عَنْ صِفَةِ مَخْلُوقٍ مِثْلِهِ
[المعنى ]
أقول:هذا الفصل من خطبة طويلة ذكره في معرض التوحيد و التنزيه للّه تعالى عن اطّلاع العقول البشريّة على كنه وصفه فقدّم التنبيه بالاستفهام على سبيل الإنكار عن الإحساس به في دخوله منازل المتوفّين و ذلك قوله : هل تحسّ به.إلى قوله:
أحدا .و نبّه باستنكار الإحساس به على أنّه ليس بجسم.إذ كان كلّ جسم من شأنه أن يحسّ بإحدى الحواسّ الخمس.ثمّ عن كيفيّة توفّيه للجنين في بطن امّه و هو استفهام من قبيل تجاهل العارف بالنسبة إليه،و ذلك قوله : بل كيف يتوفّى الجنين.
إلى قوله:في أحشاها .و جعل الحقّ من هذه الأقسام في الوسط و هو إجابتها بإذن ربّها ليبقى الجاهل في محلّ الحيرة متردّدا .ثمّ لمّا بيّن أنّ ملك الموت لا يتمكّن الإنسان من وصفه نبّه على عظمة اللّه سبحانه بالنسبة إليه،و أنّه إذا عجز الانسان عن وصف مخلوق مثله فبالأولى أن يعجز عن صفة خالقه و مبدعه الّذي هو أبعد الأشياء عنه مناسبة،و تقدير البيان بذلك التنبيه أنّ العبد عاجز عن صفة مخلوق مثله لما بيّناه من العجز عن صفة ملك الموت و حاله،و كلّ من عجز من صفة مخلوق مثله فهو من صفة خالق ذلك المخلوق و مبدعه أشدّ عجزا.و لنشر إشارة خفيفة إلى حقيقة الموت و إلى ما عساه يلوح من وصف ملك الموت «إِنْ شٰاءَ اللّٰهُ» تعالى.
فنقول:أمّا حقيقة الموت:فاعلم أنّ الّذي نطقت به الأخبار و شهد به الاعتبار أنّ الموت ليس إلاّ عبارة عن تغيّر حال،و هو مفارقة الروح لهذا البدن الجارى مجرى الآلة لذي الصنعة،و أنّ الروح باقية بعده كما شهدت به البراهين العقليّة في مظانّها، و الآثار النبويّة المتواترة.و معنى مفارقتها له هو انقطاع تصرّفها فيه لخروجه عن حدّ الانتفاع به فما كان من الامور المدركة لها تحتاج في إدراكه إلى آلة فهى متعطّلة