شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٤١٤ - شرح جملة ما يعرف بها المتّقون
السؤال و أقسم،أجابه.
فإن قلت:كيف جاز منه عليه السّلام أن يجيبه مع غلبة ظنّه بهلاكه و هو كالطبيب إنّما يعطى كلاّ من المرضى بحسب احتمال طبيعته من الدواء.
قلت:إنّه لم يكن يغلب على ظنّه عليه السّلام إلاّ الصعقة عن الوجد الشديد فأمّا أنّ تلك الصعقة فيها موته فلم يكن مظنونا له.و إنّما قدّم بيان كونه تعالى غنيّا عن الخلق في طاعتهم و آمنا منهم في معصيتهم لأنّه لمّا كانت أوامره تعالى بأسرها أو أكثرها يعود إلى الأمر بتقواه و طاعته و كان أشرف ما يتقرّب إليه البشر بالتقوى، و هو في معرض صفة المتّقين فرّبما خطر ببعض أوهام الجاهلين أنّ للّه تعالى في تقواه و طاعته منفعة،و له بمعصيته مضرّة فصدّره الخطبة بتنزيهه تعالى عن الانتفاع و التضرّر.و قد مرّ برهان ذلك غير مرّة.
و قوله: فقسم.إلى قوله:مواضعهم.
تقرير و تأكيد لكمال غناه عنهم لأنّه إذا كان وجوده هو مبدء خلقهم و قسمة معايشهم و وضعهم من الدنيا في مراتبهم و منازلهم من غنىّ و فقير و شريف و وضيع فهو الغنىّ المطلق عنهم،و إليه الإشارة بقوله تعالى «نَحْنُ قَسَمْنٰا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ رَفَعْنٰا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجٰاتٍ» ١ثمّ أخذ في غرض الخطبة، و هو وصف المتّقين فوصفهم بالوصف المجمل.فقال : فالمتّقون فيها هم أهل الفضايل:
أى الّذين استجمعوا الفضايل المتعلّقة بإصلاح قوّتى العلم و العمل،
ثمّ شرع في
تفصيل تلك الفضايل و نسقها:
فالاولى:الصواب في القول
و هو فضيلة العدل المتعلّقة باللسان،و حاصله أن لا يسكت عمّا ينبغي أن يقال فيكون مفرّطا،و لا يقول ما ينبغي أن يسكت عنه فيكون مفرطا بل يضع كلاّ من الكلام في موضعه اللايق به،و هو أخصّ من الصدق لجواز أن يصدق الإنسان فيما لا ينبغي من القول.
الثانية:و ملبسهم الاقتصاد
و هو فضيلة العدل في الملبوس فلا يلبس ما يلحقه
١) ٤٣-٣١.