شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٣٧٤ - كلامه الجارى مجرى الخطبة المائة و ثمان و سبعين في جواب ذعلب اليمانىّ حين سأله هل رأيت ربّك يا أمير المؤمنين؟
كان تعالى منزّها عن الجسميّة و لواحقها من الجهة و توجيه البصر إليه و إدراكه به و إنّما يرى و يدرك بحسب ما يمكن لبصيرة العقل لا جرم نزّهه عن تلك و أثبت له هذه.فقال: لا تدركه العيون.إلى قوله:بحقائق الإيمان .و أراد بحقائق الإيمان أركانه،و هى التصديق بوجود اللّه و وحدانيّته و سائر صفاته و اعتبارات أسمائه الحسنى،و عدّ من جملتها اعتبارات يدركه بها:
أحدها :كونه قريبا من الأشياء،و لمّا كان المفهوم من القرب المطلق الملامسة و الالتصاق و هما من عوارض الجسميّة نزّه قربه تعالى عنها.فقال: غير ملامس فأخرجت هذه القرينة ذلك اللفظ عن حقيقته إلى مجازه و هو اتّصاله بالأشياء و قربه منها بعلمه المحيط و قدرته التامّة.
الثاني:كونه بعيدا منها،و لمّا كان البعد يستلزم المباينة و هي أيضا من لواحق الجسميّة نزّهه عنها بقوله: غير مباين .و قد سبق بيان ذلك مرارا فكان بعده عنها إشارة إلى مباينته بذاته الكاملة عن مشابهة شيء منها.
الثالث:و كذلك قوله : متكلّم بلا رويّة .و كلامه يعود إلى علمه بصور الأوامر و النواهى و سائر أنواع الكلام عند قوم،و إلى المعنى النفسانىّ عند الأشعرى، و إلى خلقة الكلام في جسم النبىّ عند المعتزلة.
و قوله: بلا رويّة [لا برويّة خ].
تنزيه له عن كلام الخلق لكونه تابعا للأفكار و التروّى.
الرابع:و كذلك مريد بلا همّة تنزيه لإرادته عن مثليّة إرادتنا في سبق العزم و الهمّة لها.
الخامس: صانع بلا جارحة .و هو تنزيه لصنعه عن صنع المخلوقين لكونه بالجارحة الّتي هي من لواحق الجسميّة.
السادس:و كذلك لطيف لا يوصف بالخفاء ،و اللطيف يطلق و يراد به رقيق القوام،و يراد به صغير الحجم المستلزمين للخفاء،و عديم اللون من الأجسام،و المحكم من الصنعة.و هو تعالى منزّه عن إطلاقه بأحد هذه المعاني لاستلزام