شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٣١٣ - الخطبة المائة و أربع و ستّون يذكر فيها عجيب خلقة الطاوس
بِقَلْبِهِ- إِلَى مَنَازِلِ الْأَبْرَارِ بِرَحْمَتِهِ
[اللغة]
أقول: عزفت: زهدت و انصرفت .و الكبايس: جمع كباسة و هي العذق .
و العساليج: الغصون واحدها عسلوج ،و كذلك الأفنان جمع فنن .و الأكمام جمع كمامة بكسر الكاف:و هي غلاف الطلع .و العسل المصفّق: المصفىّ .
[المعنى]
استعارة و قوله: فلو رميت ببصر قلبك.
استعارة لطيفة:أى لو نظرت بعين بصيرتك و فكرت في معنى ما وصف لك من متاع الجنّة لم تجد لشيء من بدائع ما اخرج إلى الدنيا من متاعها إلى شيء من متاع الجنّة إلاّ نسبة و هميّة،إذا لا حظتها نفسك عزفت و أعرضت عن متاع الدنيا و ما يعدّ فيها لذّة ،و غابت بفكرها في اصطفاق الأشجار الموصوفة فيها و تمايل أغصانها . استعارة مرشحة ثمّ وصف أشجارها و أنهارها و ساير ما عدّده من متاع الجنّة وصفا لا مزيد عليه.فهذه هي الجنّة المحسوسة الموعودة،و أنت بعد معرفتك بقواعد التأويل و حقايق ألفاظ العرب و مجازاتها و استعاراتها و تشبيهاتها و تمثيلاتها و ساير ما عدّدناه لك في صدر الكتاب من قواعد علم البيان،و كان لك مع ذلك ذوق طرف من العلم الإلهىّ أمكنك أن تجعل هذه الجنّة المحسوسة سلّما و مثالا لتعقّل الجنّة المعقولة و متاعها كتأويلك مثلا أشجار الجنّة استعارة للملائكة السماويّة و الاصطفاق ترشيح تلك الاستعارة ، استعارة و كثبان المسك استعارة للمعارف و الكمالات الّتي لهم من واهب الجود و هم مغمورون فيها و قد وجدوا لها و منها كما تنبت الأشجار في الكثبان،و لفظ الأنهار استعارة للملائكة المجرّدين عن التعلّق بالأجرام الفلكيّة باعتبار كون هذه الملائكة اصولا و مبادى للملائكة السماويّة كما أنّ الأنهار مبادى ممدّة لحياة الأشجار و أسباب لوجودها ،و اللؤلؤ الرطب و الثمار استعارة لما يفيض من تلك الأرواح من العلوم و الكمالات على النفوس القابلة لها من غير بخل و لا منع.
فهي ثمارها تأتى على منية مجتنيها بحسب استعداده لكلّ منها.و القوّة المتخيّلة تحكى تلك الإفاضات في هذه العبارات و الظواهر المحسوسة المعدودة و تكسوها