شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٧٨ - الخطبة المائة و خمسون في التحذير عمّا يقع من بعده من بوائق النقمة بأيدى الظلمة
مادّته و هو كونه لا ينقطع عدده و لا يفنى مدده،و قد يكون التفصيل في القول في بعض المواضع أبلغ وقعا في النفوس و ألذّ،و قد يكون الإجمال أو الاختصار أنفع و أبلغ .ثمّ شرع في الاعتراف بالعجز عن إدراك كنه عظمته،و في بيان وجه معرفته الممكنة للخلق،و هي إمّا بالصفات الحقيقيّة أو الاعتبارات السلبيّة أو الإضافيّة.و أشار إلى الاعتبارات الثلاثة فكونه حيّا قيّوما إشارة إلى الصفات الحقيقيّة.و قد عرفت أنّهما يستلزمان الوجود.إذ كلّ حىّ موجود و القيّوم هو القائم بذاته المقيم لغيره و كلّ قائم بذاته فهو موجود واجب الوجود،و كونه «لاٰ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لاٰ نَوْمٌ » و لا ينتهي إليه نظر عقليّ أو بصريّ و لا يدركه بصر اعتبارات سلبيّة،و كونه مدركا للأبصار محصيا للأعمال آخذا بالنواصي و الأقدام:أى محيط القدرة بها.اعتبارات إضافيّة.ثمّ عاد إلى استحقار ما عدّده ممّا أدركه بالنسبة إلى ما لم يدركه من عظيم ملكوته،و ما في قوله : و ما الّذي .استفهاميّة على سبيل الاستحقار لما استفهم عنه،و ما الثانية في قوله : و ما يغيب عنّا منه .بمعنى الّذي محلّها الرفع بالابتداء و خبره أعظم،و الواو فيها للحال .ثمّ عقّب بالحكم على من فرّغ قلبه و أعمل فكره ليصل إلى كنه معرفته و علم كيفيّة نظامه للعالم الأعلى و الأسفل برجوع كلّ من آلات إدراكه حسيرا مقهورا عن إدراك ما كلّفه من ذلك.و قد سبقت الإشارة إلى براهين هذه الأحكام غير مرّة.و باللّه التوفيق.
[القسم الثاني] منها:
يَدَّعِي بِزَعْمِهِ أَنَّهُ يَرْجُو اللَّهَ كَذَبَ وَ الْعَظِيمِ- مَا بَالُهُ لاَ يَتَبَيَّنُ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلِهِ- فَكُلُّ مَنْ رَجَا عُرِفَ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلِهِ- وَ كُلُّ رَجَاءٍ إِلاَّ رَجَاءَ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَدْخُولٌ- وَ كُلُّ خَوْفٍ مُحَقَّقٌ إِلاَّ خَوْفَ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَعْلُولٌ- يَرْجُو اللَّهَ فِي الْكَبِيرِ وَ يَرْجُو الْعِبَادَ فِي الصَّغِيرِ- فَيُعْطِي الْعَبْدَ مَا لاَ يُعْطِي الرَّبَّ- فَمَا بَالُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يُقَصَّرُ بِهِ عَمَّا يُصْنَعُ بِهِ لِعِبَادِهِ- أَ تَخَافُ أَنْ تَكُونَ فِي رَجَائِكَ