شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٦١ - الخطبة المائة و خمسون في التحذير عمّا يقع من بعده من بوائق النقمة بأيدى الظلمة
الإيمان بالتفسير المذكور إذا عضده البرهان كان علما و هو روح العلوم،و يطلق اسم الإيمان عليه مع ثمراته،و هي الأعمال الصالحة لأنّها من كمالاته و لا تمام له و لا منفعة بدونها فإنّ العلم إذا لم يعضد بالعمل فهو قليل الفائدة في الآخرة بل لا ثمرة له فهو كالخراب الغير الصالح للاقتناء فكما لا يصلح الخراب للسكنى فكذلك العلم الخالى عن الأعمال الصالحة فلذلك قال عليه السّلام في موضع آخر:العلم مقرون بالعمل،و العلم يهتفّ بالعمل فإن جاء به و إلاّ ارتحل،و أمّا قوله : و بالعلم يرهب الموت .فلأنّ العلم باللّه تعالى و غاية خلقه للإنسان و ملاحظة نسبة الدنيا إلى الآخرة و العلم بأحوال المعاد يستلزم ذكر الموت و دوام ملاحظته و ذلك مستلزم لرهبته و العمل له و لما بعده.
و قوله : و بالموت يختم الدنيا.
ظاهر إذ الدنيا عبارة عمّا فيه الإنسان قبل الموت من التصرّفات البدنيّة.
و قوله : و بالدنيا تحرز الآخرة.
إشارة إلى أنّ الدنيا محلّ الاستعداد لتحصيل الزاد ليوم المعاد،و فيها يحصل كمال النفوس الّذي تحرز به سعادة الآخرة.و قد سبق بيانه.
و قوله : [بالقيامة تزلف الجنّة للمتّقين و تبرز الجحيم للغاوين خ].
إشارة لطيفة ذكرناها غير مرّه.و هو أنّ بالموت و طرح جلباب البدن يتبيّن ما للإنسان و ما عليه ممّا قدّم من خير أو شرّ و إن كانت ثمرة ذلك أثرا حاصلا للنفس في الدنيا لأنّ التألّم به و الالتذاذ إنّما يحصل لها بعد طرح البدن.
و إليه الإشارة بقوله تعالى «يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مٰا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ مٰا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهٰا وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً» ١و لفظ الإزلاف و البروز يشهد بذلك لأنّ فيه معنى الظهور:أى ظهور الإدراك إذن.
و قوله : و إنّ الخلق لا مقصر لهم عن القيامة.إلى آخره.
كلام في غاية الحسن مع غزارة الفائدة،و هو إشارة إلى أنّه لا بدّ لهم من
١) ٣-٢٨.