شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٥١ - الخطبة المائة و خمسون في التحذير عمّا يقع من بعده من بوائق النقمة بأيدى الظلمة
اللّه فكان جميع ما ظهر في عالم الشهادة مثالا مناسبا للأمر باطن من عالم الغيب هو الطريق إليه،و الدليل عليه غير أنّ المفهوم من كلامه عليه السّلام هنا تخصيص تلك الكلّيّة بأحد أمرين فإنّه إمّا أن يشير بالظاهر إلى أشخاص الناس أو إلى أفعالهم الظاهرة، و الباطن إشارة إلى الأخلاق و أعمال القلوب و ما في الأمزجة المختلفة من الخير و الشرّ،و قيل:إشارة إلى ما يخفى من الثواب و العقاب في الآخرة،و قد دلّ الاستقراء و القياس على أنّ حسن الصورة أو حسن الأعمال الظاهرة الّتي تبدو من الإنسان حسن الأخلاق طيّب العشرة مستقيم السيرة،و على أنّ قبيحها سيّء الأخلاق شرير أمّا الاستقراء فظاهر،و أمّا القياس فلأنّ حسن الأخلاق و قرب النفس من الاستقامة على طلب الحقّ مقتضى قرب المزاج من الاعتدال،و كذلك حسن الصورة فيترتّب قياس هكذا:
حسن الصورة معتدل المزاج و كلّ معتدل المزاج حسن الأخلاق فحسن الصورة حسن الأخلاق،و إن شئت هكذا:معتدل المزاج حسن الصورة و معتدل المزاج حسن الأخلاق و القضيّتان أكثريّتان فإنّ بعض حسن الصورة قبيح الباطن،و بعض خبيث الظاهر حسن الباطل،و لذلك استشهد بما رواه عن الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فإنّ اللّه يحبّ العبد من حيث صورته الحسنة لكونها مقتضى الحكمة الإلهيّة و أنسب إلى الوجود من القبيحة الّتي هي أنسب إلى العدم الّذي هو الشرّ المحض و يبغض عمله من جهة ما هو شرّ،و كذلك يحبّ العمل الحسن الباطن الطيب،و يبغض بدنه القبيح لنسبته إلى العدم الّذي هو شرّ،و أمّا النصّ في دلالة الظاهر على الباطن فما نطق به القرآن الكريم «وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبٰاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ الَّذِي خَبُثَ لاٰ يَخْرُجُ إِلاّٰ نَكِداً» ١أي عسرا مشوما.قال ابن عبّاس و مجاهد و الحسن و قتادة و السدى:هذا مثل ضربه اللّه تعالى للمؤمن و الكافر بالأرض العذية التربة و بالأرض السبخة المالحة،و شبّه فيه المؤمن الّذي إذا سمع القرآن و عاه و عقله و انتفع به فبان أثره عليه بحسن الأعمال و طيّبها بالبلد الطيّب.إذ كان البلد الطيّب يمرع و يخصب و يحسن أثر المطر عليه،و شبّه الكافر الّذي يسمع القرآن فلا يؤثّر فيه أثرا محمودا بالبلد
١) ٧-٥٦.