شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٤١ - الخطبة المائة و خمسون في التحذير عمّا يقع من بعده من بوائق النقمة بأيدى الظلمة
استكمالها بقوّتهما النظريّة الّتي تتلقّى بها من العاليات كمالها ،و علمت أنّ بقدر خروجها عن حدّ العدل في استكمال قوّتها العمليّة تنقطع عن الجهة الاخرى، و تكشفها الهيئات البدنيّة فتكون في أغطية منها و جلابيب من الغفلة عن الجهة الاخرى بالانصباب إلى ما يقتنيه ممّا يعدّ خيرا في الدنيا،و بحسب انصبابها في هذه الجهة،و تمكّن تلك الهيئات البدنيّة منها يكون بعدها عن بارئها و نزولها في دركات الجحيم عن درجات النعيم،و بالعكس كما قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:الدنيا و الآخرة ضرّتان بقدر ما تقرب من إحداهما تبعد من الاخرى،و ظاهر أنّ بالموت تنقطع تلك الغفلة و تنكشف تلك الحجب فيومئذ يتذكّر الإنسان و أنّى له الذكرى،و يكون ما اثيبه يومئذ من تعلّق تلك الهيئات بنفسه و حطّها له عن درجات الكمال و ما شاهده من السلاسل و الأغلال هو جزاء معصيتهم المنكشف لهم، استعارة و لفظ الجلابيب استعارة لفظ المحسوس للمعقول،و وجه المشابهة حجب الغفلة لا غير يصائرهم عن التنوّر بأنوار اللّه كحجب الوجه بالجلباب ،و المدبر الّذي استقبلوه هو العذاب الاخروىّ، و الأهوال الّتي كانت غائبة عنهم،و المقبل الّذي استدبروه هو ما كانوا فيه من مأمولاتهم و أحوالهم الدنيويّة ،و ظاهر أنّهم لم ينفعوا إذن بما أدركوا من طلباتهم الدنيويّة،و لا بما قضوا من أوطارهم و حاجاتهم الحاضرة فيها .ثمّ عاد إلى التحذير من هذه المنزلة:أى الحالة الّتي هؤلاء الموصوفون عليها من الغفلة فإنّها مقام صعب و مزلّة قدم،و شرك نفسه في التحذير لأنّه أدخل في جذب نفوس السامعين إلى طاعته .
ثمّ أمر كلاّ بالانتفاع بنفسه،و شرح كيفيّة الانتفاع بشرح حال البصير لأنّه لا ينتفع بنفسه إلاّ البصير،و ذكر امورا:
فالأوّل،أن يتفكّر فيما يسمعه من كلام اللّه و رسوله و المواعظ البالغة فإنّه لا ينتفع بها بدون الفكر كما علمته.
الثاني :أن ينظر بعين حسّه،و بصيرته فيتوخى المقاصد النافعة فيبصرها و يدرك بعقله منها العبر.الثالث:أن ينتفع بما يدركه من العبر و ذلك بالعمل على وفق ما علم و أدرك .