شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٢٩ - الخطبة المائة و خمسون في التحذير عمّا يقع من بعده من بوائق النقمة بأيدى الظلمة
و قد حمد اللّه تعالى باعتبارات من أوصافه ،
و في الفصل أبحاث من العلم الإلهىّ:
الأوّل:الإشارة إلى وجوده تعالى الواجب
،و للناس في إثباته طريقان:
إحداهما:إثبات وجوده بالنظر في نفس الوجود،و قسمته إلى أقسام حاصرة، و تقرير هذه الطريقة أن يقال:لا شكّ في وجود موجود فذلك الموجود إن كان واجب الوجود فهو المطلوب و إن كان ممكنا افتقر إلى مؤثّر بناء على أنّ العلّة المحوجة إلى المؤثّر هي الإمكان،و ذلك الموجود إن كان ممكنا افتقر إلى غيره و لزم الدور أو التسلسل و كلاهما باطلان:أمّا الأوّل:فلأنّه لو افتقر كلّ واحد من الأمرين إلى الآخر باعتبار واحد لزم تقدّم كلّ منهما على المتقدّم على نفسه فيلزم تقدّمه على نفسه بمراتب،و أمّا الثاني:فلأنّه و لو كانت سلسلة من علل و معلولات لا نهاية لها في الوجود لكان مجموعها ممكنا لافتقاره إلى الأجزاء الّتي هي غيره و بمجموعها علّة تامّة فهي إمّا نفسه و هو محال بالبديهة أو أمر داخل فيه و هو باطل لأنّ العلّة التامّة للمركّب علّة أوّلا لأجزائه و إلاّ لتوقّف على علّة أجزائه فلم تكن علّة تامّة له بل هي مع علّة أجزائه هذا خلف،و إذا كانت علّة المركّب علّة أوّلا لأجزائه لزم كون ذلك الجزء المؤثّر في المجموع مؤثّرا في نفسه أوّلا، و في علله السابقة فيلزم تقدّمه على نفسه بمراتب غير متناهية و ذلك باطل بالبديهة فبقى أن يكون المؤثّر في ذلك المجموع إمّا أمرا خارجا عنه أو ما يتركّب من الداخل و الخارج عنه لكنّ القسم الثاني أيضا باطل لأنّ الداخل لمّا كان جزءا من العلّة المركّبة فله تقدّم عليها،و هي متقدّمة على مجموع الممكنات فلها تقدّم عليه، و على أجزائه فجزئها كذلك فله تقدّم على نفسه و على علله و هو باطل فبقى الأوّل لكن الموجود الخارج عن كلّ الممكنات لا يكون ممكنا بل واجب الوجود،و هو المطلوب،و هذه طريق العلّيّين الّذين يستدلّون به على مخلوقاته و يسمّونه برهان اللمّ.
و أمّا الطريق الثانية:فهي الاستدلال بالنظر في المخلوقات و طبائعها و إمكانها و تكثّرها و قبولها للتغيّر و التركيب على مباديها.ثمّ على المبدأ الأوّل-جلّت