شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٠٦ - كلامه الجارى مجرى الخطبة المائة و سبع و أربعين في ذكر أهل البصرة
و قوله: كلّ واحد منهما حامل ضبّ لصاحبه.
أى في صدره غلّ عليه و عمّا قليل يظهر و ينكشف، استعارة و استعار لفظ القناع لظاهره الساتر لباطنه،و ذلك مثل يضرب لمن ينافق صاحبه و يظهر له الصداقة مع حسده و عقوقه له في الباطن.و العرب تضرب بالضبّ المثل في العقوق.فيقال:
أعقّ من ضبّ.و ذلك أنّه ربّما يأكل حسوله .ثمّ أقسم لئن أصابوا بغيتهم لينزعنّ هذا و ليأتينّ عليه:أى يسعى كلّ منهم في قتل صاحبه،و هذا ممّا لا شكّ فيه فإنّ العادة جارية بعدم قيام الأمر برئيسين معا،و سرّه أنّ الطباع البشريّة متشاحّة على الكمال و يتفاوت ذلك التشاحّ بحسب تفاوت ذلك الكمال في تصوّر قوّته و ضعفه و لا شيء في نفوس طالبى الدنيا أعظم من الملك خصوصا في نفس من يعتقد أنّه يقدر على تحصيل الآخرة فيه أيضا فإنّ تحصيل الدنيا و الآخرة هي أكمل الكمالات المطلوبة للإنسان.و لا شيء يقاوم هذا المطلوب في النفوس.فهي تسعى في تحصيله بكلّ ممكن من قتل الولد و الوالد و الأخ.و لذلك قيل:الملك عقيم.و قد نقل عن هذين الرجلين الاختلاف قبل إصابتهما و قبل وقوع الحرب فاختلفا في الأحقّ بالتقديم في الصلاة فأقامت عايشة محمّد بن طلحة و عبد اللّه بن الزبير يصلّى هذا يوما و هذا يوما إلى أن ينقضي الحرب.ثمّ إنّ عبد اللّه بن الزبير ادّعى أنّ عثمان نصّ عليه بالخلافة يوم الدار و احتجّ على ذلك باستخلافه له في الصلاة،و احتجّ تارة بنصّ صريح ادّعاه.و طلب طلحة أن يسلّم الناس عليه بالإمرة و أدلى إليها بالسميّة،و أدلى الزبير بأختها أسماء.فأمرت الناس أن يسلّموا عليهما بالإمرة، و اختلفا في تولّى القتال فطلبه كلّ واحد منهما أوّلا ثمّ نكل عنه.و أحوالهم في ذلك ظاهرة .
فقوله: قد قامت الفئة الباغية.
إشارة إليهم و هم الناكثون الّذين نقل فيما سبق فيهم الخبر:امرت أن اقاتل الناكثين و القاسطين و المارقين .
و قوله: فأين المحتسبون و قد سنّت لهم السنن .