شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٩٤ - كلامه الجارى مجرى الخطبة المائة و خمس و أربعين لعمر بن الخطاب و قد استشاره في غزو الفرس بنفسه
١٤٥-و من كلام له عليه السّلام
لعمر بن الخطاب
،و قد استشاره في غزو الفرس بنفسه إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَمْ يَكُنْ نَصْرُهُ- وَ لاَ خِذْلاَنُهُ بِكَثْرَةٍ وَ لاَ بِقِلَّةٍ- وَ هُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي أَظْهَرَهُ- وَ جُنْدُهُ الَّذِي أَعَدَّهُ وَ أَمَدَّهُ- حَتَّى بَلَغَ مَا بَلَغَ وَ طَلَعَ حَيْثُ طَلَعَ- وَ نَحْنُ عَلَى مَوْعُودٍ مِنَ اللَّهِ- وَ اللَّهُ مُنْجِزٌ وَعْدَهُ وَ نَاصِرٌ جُنْدَهُ- وَ مَكَانُ الْقَيِّمِ بِالْأَمْرِ مَكَانُ النِّظَامِ مِنَ الْخَرَزِ- يَجْمَعُهُ وَ يَضُمُّهُ- فَإِنِ انْقَطَعَ النِّظَامُ تَفَرَّقَ الْخَرَزُ وَ ذَهَبَ- ثُمَّ لَمْ يَجْتَمِعْ بِحَذَافِيرِهِ أَبَداً- وَ الْعَرَبُ الْيَوْمَ وَ إِنْ كَانُوا قَلِيلاً- فَهُمْ كَثِيرُونَ بِالْإِسْلاَمِ- عَزِيزُونَ بِالاِجْتِمَاعِ- فَكُنْ قُطْباً وَ اسْتَدِرِ الرَّحَى بِالْعَرَبِ- وَ أَصْلِهِمْ دُونَكَ نَارَ الْحَرْبِ- فَإِنَّكَ إِنْ شَخَصْتَ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ- انْتَقَضَتْ عَلَيْكَ الْعَرَبُ مِنْ أَطْرَافِهَا وَ أَقْطَارِهَا- حَتَّى يَكُونَ مَا تَدَعُ وَرَاءَكَ مِنَ الْعَوْرَاتِ- أَهَمَّ إِلَيْكَ مِمَّا بَيْنَ يَدَيْكَ- إِنَّ الْأَعَاجِمَ إِنْ يَنْظُرُوا إِلَيْكَ غَداً يَقُولُوا- هَذَا أَصْلُ الْعَرَبِ فَإِذَا اقْتَطَعْتُمُوهُ اسْتَرَحْتُمْ- فَيَكُونُ ذَلِكَ أَشَدَّ لِكَلَبِهِمْ عَلَيْكَ وَ طَمَعِهِمْ فِيكَ- فَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ مَسِيرِ الْقَوْمِ إِلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ- فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ هُوَ أَكْرَهُ لِمَسِيرِهِمْ مِنْكَ- وَ هُوَ أَقْدَرُ عَلَى تَغْيِيرِ مَا يَكْرَهُ- وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ عَدَدِهِمْ- فَإِنَّا لَمْ نَكُنْ نُقَاتِلُ فِيمَا مَضَى بِالْكَثْرَةِ- وَ إِنَّمَا كُنَّا نُقَاتِلُ بِالنَّصْرِ وَ الْمَعُونَةِ
[المعنى ]
أقول:اختلف الناقلون لهذا الكلام في الوقت الّذي قاله لعمر فيه.فقيل:
إنّه قاله في غزاة القادسيّة.و هو المنقول عن المدائنى في كتاب الفتوح.و قيل:
في غزاة نهاوند.و هو نقل محمّد بن جرير الطبرىّ.فأمّا وقعة القادسيّة فكانت سنة أربع عشرة للهجرة استشار عمر المسلمين في خروجه فيها بنفسه فأشار عليه علىّ عليه السّلام بالرأى المسطور فأخذ عمر به و رجع عن عزم المسير بنفسه،و أمّر سعد بن أبى وقّاص على المسلمين.و يروى في تلك الواقعة أنّ رستم أمير العسكر من قبل يزدجرد أقام بريدا من الرجال الواحد منهم إلى جانب الآخر من القادسيّة إلى المدائن كلّما تكلّم رستم بكلمة أدّاها بعضهم إلى بعض حتّى يصل إلى سمع يزدجرد،و قصص الواقعة مشهورة في التواريخ،و أمّا وقعة نهاوند فإنّه لمّا أراد عمر أن يغزو العجم،و جيوش كسرى قد اجتمعت بنهاوند استشار أصحابه فأشار عثمان عليه بأن يخرج بنفسه بعد أن يكتب إلى جميع المسلمين من أهل الشام و اليمن و الحرمين و الكوفة و البصرة و يأمرهم بالخروج،و أشار علىّ عليه السّلام بالرأى المذكور:و قال:أمّا بعد و إنّ هذا الأمر لم يكن نصره و لا خذلانه.الفصل.فقال:عمر أجل هذا الرأى،و قد كنت احبّ أن اتابع عليه فأشيروا علىّ برجل اولّيه ذلك الثغر.فقالوا:أنت أفضل رأيا.
فقال:أشيروا علىّ به و اجعلوه عراقيّا.فقالوا:له أنت أعلم بأهل العراق و قد وفدوا عليك فرأيتهم و كلّمتهم.فقال:أما و اللّه لاولينّ أمرهم رجلا يكون غدا لأوّل الأسنّة.قيل:و من هو؟فقال:النعمان بن مقرن.قالوا:هولها.و كان نعمان يومئذ بالبصرة فكتب إليه عمر فولاّه أمر الجيش.
و لنرجع إلى المتن.فقوله: بحذافيره: أى بأسره .
و قوله: إنّ هذا الأمر .إلى قوله: بالاجتماع:
صدر الكلام أورده ليبتنى عليه الرأى فقرّر فيه أوّلا أنّ هذا الأمر:أى أمر الإسلام ليس نصره بكثرة و لا خذلانه بقلّة ،و نبّه على صدق هذه الدعوى بأنّه دين اللّه الّذي أظهره و جنوده،و هي جنده الّذي أعدّه و أمدّه بالملائكة و الناس حتّى بلغ هذا