شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١١٧ - الخطبة الثامنة عشر و المائة في ردّ ما اعترض عليه
إليها كما تشبه الشوكة الشوكة و تميل إليها فربّما انكسرت معها في العضو و احتاجت إلى منقاش آخر .ثمّ رجع إلى الشكاية إلى اللّه،و أراد بالداء الدوىّ ما هم عليه من الاعتياد المخالفة لأمره و تثاقلهم عن صوته،و بالأطبّاء نفسه.فإنّ داء الجهل و ما يستلزمه أعظم من سائر الأدواء المحسوسة،و فضل أطبّاء النفوس على أطبّاء الأبدان بقدر شرف النفوس على الأبدان،و هى استعارة تكاد أن تكون حقيقة ،و كذلك استعارة لفظ النزعة له مثل ضربه لنفسه معهم فكأنّهم عن المصلحة في قعر بئر عميق قد كلّ هو من جذبهم إليها .ثمّ أخذ في السؤال عن إخوانه من أكابر الصحابة الّذين بذلوا جهدهم في نصرة الدين و أعرضوا عن الدنيا استفهاما على سبيل التوبيخ لفقدهم،و هذا كما يقول أحدنا إذا وقع في شدّة أين أخى عنّى ؟ثمّ وصفهم بالأوصاف الحميدة ترغيبا للسامعين في مثل حالهم و إزراءً عليهم حيث لم يكونوا بهذه الأوصاف، و ذلك بطريق المفهوم .
و قوله: أولادها.
نصب بإسقاط الجارّ.إذ الفعل و هو قوله:و لهوا.غير متعدّى إلى مفعولين بنفسه،و في الخبر:لا توله والدة بولدها.و تولّههم لها بركوبهم إيّاها عند خروجهم للجهاد .
و قوله: و أخذوا بأطراف الأرض.
أى أخذوها بأطرافها،و زحفا زحفا و صفّا صفّا :مصدران موكّدان بمثليهما قاما مقام الحال .
و قوله: لا يبشّرون بالأحياء و لا يعزّون عن القتلى[الموتى خ].
أى كانوا في تلك الحال غير ملتفتين إلى حيّهم و لا مراعين و لا محافظين على حياته حتّى يبشّرون ببقائه أو يجزعون لموته فيعزّون عليه بل مجرّدون للجهاد في سبيل اللّه،و لعلّهم يفرحون بقتل من يقتلونه في سبيله و إن كان ولدا لوالده أو بالعكس ،و إنّما كان السهر موجبا لصفرة اللون لأنّه يهيّج الحرارة و يفسد السحنة و ينجف البدن و يكثر فيه المرّة،و الصفرة من توابع ذلك لا سيّما في الأبدان النحيفة كما عليه أهل المدينة و مكّة و الحجاز .و غبرة الخاشعين قشف الزاهدين الخائفين