تفسير سورة هل أتى - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٢٥٩ - جبرية المشيئة
معين، فإن الإنسان يقدر على سد مجراه، و منعه من مواصلة طريقه، و يقدر أيضا على تحويل مساره باتجاه آخر ..
فكأن الآية تقول: إن مشيئتكم تجري على طبيعتها، إلا أن يشاء اللّه منعها، و تحويلها، أو مصادرتها ..
و ربما يناقش في هذه الإجابة بأنها تنافي ظاهر قوله تعالى: وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ .. الدال على أن مشيئة اللّه دخيلة في أصل إنتاج مشيئتكم، و أن مشيئتكم لا استقلال لها عن إرادة اللّه تعالى، بل هي مرتبطة و مرهونة بها، و واقعة تحت تأثيرها، في نشوئها على الأقل، إن لم نقل: نشوءا و استمرارا.
فالأولى أن يجاب بأن اللّه سبحانه يفيض الوجود على الإنسان، بكل ما فيه من قدرات، و طاقات، و ملكات و غير ذلك، آنا، فآنا، و لحظة، فلحظة .. فيفيض الوجود، و القدرة و الحياة، و غير ذلك من مبادئ الفعل التي تجعل الإنسان قادرا على أن يحرك يده و رجله، و ينطق بلسانه، و يفكر، و .. و .. الخ .. فيختار هو أن يستفيد من هذه الطاقة التي تقع تحت اختياره، أو لا يستفيد ..
و هذا نظير ما لو كان هناك مصدر يمدك بالكهرباء، و لك أنت أن تختار الاستفادة منها في التدفئة، أو في الإنارة، أو في تحريك آلة، تمكنك من قتل إنسان، أو غير ذلك، فالمصدر الذي يمدك بالطاقة الكهربائية قادر على قطع المدد عنك في أية لحظة، فيصح أن يقال: لولاه لم يكن عندك نور، و لعجزت عن قتل ذلك الإنسان .. و .. و .. الخ ..
كما أنه يصح أن يقال: لولا مشيئتك و مبادرتك أنت، لم تحصل الإنارة، و لا القتل، و لا غير ذلك ..