تفسير سورة هل أتى - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٢١٠ - ٣ - التنصيص على البكرة و الأصيل
و من هذه الأوقات وقت صلاة الصبح، و وقت العودة من العمل المرهق طيلة النهار.
فذكر اللّه سبحانه في خصوص هذين الوقتين يخرج الإنسان عن حالة الغفلة التامّة، و يحصرها في خصوص الغفلة عن أمر الدنيا، و يجعله واعيا متيقّظا لأمر الآخرة.
ثالثا: إن هذين الوقتين، و إن كانا من أوقات الغفلة عادة، و لكنهما في الحقيقة هما الوقتان اللذان تكون النفس فيهما في أشد حالات الاسترخاء، و الصّفاء و الاستعداد لتقبّل أيّ وافد جديد عليها.
فإن الإنسان بدءا من وقت الأصيل يتهيّأ للاختلاء بنفسه، و للعودة بأفكاره الشوارد إلى دائرته و محيطه الحقيقي. و يكون مستعدّا للتأمّل، و اللقاء مع اللّه سبحانه، و الاتّصال به مباشرة بصورة أعمق، و بسهولة و يسر، و وضوح و صراحة، لا تقاس بالصراحة و الوضوح فيما لو حاول اللقاء باللّه، و هو في متجره، أو في دائرته، أو نحو ذلك. فثمّة صوارف و معوقات في مواضع العمل، و قد زالت الآن، و لأجل هذه الميزات بالذات كانت صلاة الليل من أهم الأعمال العبادية.
إن اللّه يريد أن يكون الوقت الذي تطلع فيه الشمس بين قرني شيطان، و الوقت الذي تغرب فيه بين قرني شيطان، وقت خلوة باللّه، و انقطاع إليه، و تهجّد و عبادة له، ليرغم بذلك كل مردة الشياطين من الجن و الإنس أجمعين ..
و الخلاصة: أن الاتصال مع اللّه ليس جوارحيا بل هو قلبي جوانحي، و في العمل الجوانحي تطلب الأوقات التي تناسب هذا الاتصال، و تزيد من القدرة على تحقيق غاياته. و ذلك إنما هو حيث لا يكون القلب