فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢٤٩ - تأملات في هندسة عملية التعليم الحوزوي الشيخ محمود العيداني
فيها ، تتطلب مثل هكذا بحث طويل ينطوي على مراحل عديدة مترابطة متداخلة تعتمد كل واحدة منها على سابقتها ، فلابدّ للباحث من أن يطالعه مطالعة دقيقة متأنّية ، باذلاً كل جهد وطاقة في التأمل فيها والتعرف على خطواتها وطرقها ، وقد آن له ـ الآن بعدما أصبح يدرك اللغة العلمية التخصصية ، وبعد أن مر بدورة استدلالية متوسطة ، وبعد أن تقوّى حسّه الاستدلالي والاستنباطي بدراسة المكاسب المحرمة ـ أن يتعلم العوم في ماء أكثر عمقاً ممّا تعوّد العوم فيه ، وهو ما يجعل المرحلة أكثر أهميّة وحساسية من غيرها ، وستصقل فيها طاقات وقابليات كثيرة حصل عليها الطالب في رحلته التعليمية لحد الآن .
لابدّ من أن يتعلّم الطالب الآن كيف يوزّع طاقته خلال عملية استنباط طويلة ؟ وكيف يبدأ ؟ ومن أين ينطلق ؟ وكيف يعالج ما قد يصادفه من مشاق ؟ وما هو الحل المناسب لتلك المشاق ؟ إلى غير ذلك من الاُمور التي تصادف الرحّالة في رحلته الطويلة ، كلّ ذلك في جوّ فقهي مفعم بالحيويّة والأصالة ، نابع من عين صافية زلال لا يعلو غيرها عليها ، عين ما ارتوى كل من جاء بعدها إلا بعد أن مرّ بها ورشف منها ، ففاضت منها أنهار كلّ على قدره ووسعه وطاقته وعمقه .
نعم ، هنا أيضاً لابدّ من القائد اللائق ، بل الحاجة لـه هنا أشدّ وأعظم بمقتضى الدقة الأكثر والترابط الأكثر والمراحل الأكثر التي سيمرّ بها البحث الفقهي عند الشيخ .
ويمكن تشبيه هذه المرحلة ، وأواخر المرحلة السابقة ، بمرحلة الاختصاص بعد التعليم العام الموجود في أكثر أبواب العلوم ، كما في الطب مثلاً ، فإن الطالب أولاً يدرس مدّة ست سنين ليكون طبيباً عامّاً ، فإذا أراد أن يكون مختصاً في حقل ما ، كالجراحة مثلاً أو الجملة العصبية أو الباطنية أو الأطفال أو غيرها من الاختصاصات ، فإنه لابدّ لـه من دراسة جديدة مركّزة تختص