بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٧ - هل يتوجه الخطاب إلى الكفار؟ و أنهم مكلفون على الفروع كما هم مكلفون على الأصول كالمؤمنين؟ و بيان الأدلة على ذلك
وَ لٰا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّٰهُ إِلّٰا بِالْحَقِّ وَ لٰا يَزْنُونَ الآية فإن الشرك و قتل النفس من الكبائر العقلية و منها قوله مٰا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قٰالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (المدثر ٤٣) و الاستدلال بها متوقف على ان المراد من المصلين هو الصلاة المفروضة و يحتمل ان المراد منها انا لم نك من اتباع السابقين من الأنبياء المقربين و الأئمة الموحدين و اما لو قيل ان المراد في الآية هي الصلاة المكتوبة فالاستدلال بها في غاية الضعف فان جواب أهل سقر انا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ انما قالوا انا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ اي من الفريق الذين نجوا من النار لصلاتهم و صالحات أعمالهم فإن الصلاة من شعار المؤمنين و خصائصهم و كانت عليهم كِتٰاباً مَوْقُوتاً في البرهان عن الكافي مسندا عن أمير المؤمنين (ع) كان إذا حضر الموت يوصي أصحابه بكلمات يقول تعاهدوا الصلاة- (أمر الصلاة نسخه نهج) و حافظوا عليها و استكثروا منها (و تقربوا بها وسائل) فإنها كٰانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتٰاباً مَوْقُوتاً و قد علم ذلك الكفار حين سألوا مٰا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قٰالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ. الحديث و لا يخفى ان مرجع كلا التفسيرين إلى أمر واحد. و منها قوله تعالى فَلٰا صَدَّقَ وَ لٰا صَلّٰى وَ لٰكِنْ كَذَّبَ وَ تَوَلّٰى (القيامة ٣١) و الاستدلال بها متوقف على ان المراد من قوله تعالى- صَلّٰى- هي الصلوات المفروضة و لكن الظاهر بقرينة قوله تعالى وَ لٰكِنْ كَذَّبَ وَ تَوَلّٰى اي ما صدق ما يجب تصديقه و لا اتبع دعوة الحق بل كذب و أدبر إليها و تولى و المنقول في شأن نزولها انها نزلت في شأن معاوية و مغيرة به شعبة فحينئذ يخرج عن محل البحث.
و منها قوله تعالى وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لٰا يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كٰافِرُونَ (فصلت ٦) أقول: طرح البحث في الآية الكريمة نفيا و إثباتا يحتاج الى بسط من الكلام و سنتعرض إن شاء الله لتفسيره في البحث عن آيات الزكاة. و يحتاج أيضا الى تعيين المراد من لفظ المشركين لشيوع إطلاقه على من اتبع المبدعين كما في قوله تعالى اتَّخَذُوا أَحْبٰارَهُمْ وَ رُهْبٰانَهُمْ أَرْبٰاباً مِنْ دُونِ اللّٰهِ الآية و على المنافقين و على من نصب نفسه اماما من غير اذن الله فأطاعه في ما يأمر و ينهى و غيرها من الموارد.
فالعمدة في إثبات المدعى هو الإجماع و الدليل العقلي بأن يقال انه لا يجوز للكفار الإصرار على الكفر و الإدامة عليه و سلب الصلاحية عن أنفسهم بالتقريب الى الله سبحانه بالعبادات فيجب عليهم بضرورة العقل التوبة من الكفر و الايمان بالله المعروف بالفطرة و الظاهر أناته و المتجلي بخلقه لخلقه فيحصل لهم الصلاحية لتوجيه الخطاب إليهم فعلى هذا يصح ان يقال لا مانع من شمول الخطابات عقابا لا خطابا لو قام دليل شرعي أو عقلي على ذلك فان الممتنع بالاختيار لا ينافي الاختيار