بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٣٢ - الآية الثالثة الاستدلال على وجوب النية في العبادات و الطهارات و كذا وجوب الإخلاص فيها و بيان بعض المفردات في الآية
هذا الكلام من أعلام علماء المعاني و البيان انتهى. أقول: فبناء عليه لا تقربوا الصلاة و بكم نعاس و سكر من غلبة النوم و لا تقربوا مواضعها و أنتم جنب و هو المؤيد بالروايات عن أئمة أهل البيت (ع) و أضعف التفاسير ما تكلفه بعض المفسرين ان المراد من الصلاة المساجد عبر كناية عن المساجد بالصلاة لغلبة وقوعها فيها و وجه الضعف أن صراحة التعليل و هو قوله حَتّٰى تَعْلَمُوا مٰا تَقُولُونَ ظاهر بل نص في إرادة نفس الصلاة لا أماكنها قوله تعالى وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ الآية قد مر تفصيل القول فيها.
الآية الثالثة [الاستدلال على وجوب النية في العبادات و الطهارات و كذا وجوب الإخلاص فيها و بيان بعض المفردات في الآية]
قال تعالى وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفٰاءَ وَ يُقِيمُوا الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُوا الزَّكٰاةَ وَ ذٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (البينة ٥).
استدلوا بهذه الآية على وجوب النية في العبادات و في الطهارات و الظاهر انهم أرادوا وجوب الإخلاص فيها فلا محالة يدل وجوب الإخلاص في النية على وجوب النية أيضا و مع قطع النظر عن هذا التوجيه ليس في ظاهر الآية ما يدل على وجوب النية في العبادات بالمعنى الذي ذكروه في نية العبادات في أبواب الفقه.
و قد استظهر بعضهم أصالة العبادية في كل ما أمر به من الواجبات بمعونة الحصر الوارد فيها الا ما أخرجه الدليل و سيجيء التعرض الى و هن هذا القول في ذيل البحث إن شاء الله تعالى.
(قوله تعالى مُخْلِصِينَ) حال من فاعل يعبدوا و معنى الإخلاص كما في قلائد الدرر عن بعضهم انه تنزيه العمل من أن يكون لغير الله فيه نصيب و قيل هو إخراج الخلق عن معاملة الحق و قيل هو ستر العمل عن الخلائق و تصفيته عن العلائق و قيل هو ان لا يريد عامله عليه عوضا في الدارين و في كنز العرفان فصل معنى كونه له تعالى ان يفعله خوفا من عقابه و رجاء لثوابه و قيل يفعله حياء منه أو حبا له و قيل تعظيما له و مهابة و انقيادا و لا يخطر بباله عوض آخر سواه الى ان قال في تأييد القول الأخير و هو الأقوى لأن عدا ذلك شرك مناف للإخلاص انتهى ما أردناه.
و لا يخفى ما فيه من الضعف ففي الكتاب و السنة تصريح بان من أتى بالعبادات خوفا من ناره و طمعا في جنته و غيرها من الدواعي التي يرتبط بالآخرة إليه تعالى فلا إشكال في صحتها قال تعالى تَتَجٰافىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضٰاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً (السجدة ١٧) قال تعالى وَ يَدْعُونَنٰا رَغَباً وَ رَهَباً (أنبياء ٩٠) قال تعالى أَمَّنْ هُوَ قٰانِتٌ آنٰاءَ اللَّيْلِ سٰاجِداً وَ قٰائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ (زمر ٩).
فالمتقين عند أعاظم الفقهاء (قدس الله أسرارهم) تنزيل تلك الآيات و السنن الكثيرة