نكت النهاية - المحقق الحلي - الصفحة ١٩ - آثاره و مئاثره
من وصوله الى حضرة مولاه، و تشرفه بخدمته؟
و أنت ترى أن هؤلاء المشايخ (رضوان الله عليهم) لما عسر عليهم فهم هذا الأمر و انغلقت في وجوههم أبواب الرجاء و الأمل، لجأوا الى مواجهة الإمام (عليه السلام)، و لم تكن مقدماتهم لذلك سوى بعض الآداب الشرعية المرعية من الصوم و الوضوء و الدعاء و الرجاء، فلو علم هؤلاء بتقصير لهم أو شعروا بتخلفهم عن بعض أوامره لما جسروا على طلب مواجهته و مقابلته، و بهذا و غيره أعلمنا قدماؤنا (رضوان الله عليهم) أنهم كانوا في غاية الالتزام بالتكاليف الشرعية كبيرة و صغيرة، و في غاية البعد عن كل دنية حتى المكروه و المباح، و قد وعظونا بأعمالهم أكثر مما وعظونا بأقوالهم، فيجب علينا اتباعهم و السير على الخطى التي رسموها لنا و الطرق التي سنوها من أجلنا، و أن لا نزل عن النهج القويم و الصراط المستقيم عسى أن يشملنا عطف أئمة الهدى (عليهم السلام) فيكونوا شفعاءنا «يوم لا تغني نفس عن نفس شيئا و لا تنفعها شفاعة».
لقد طال بنا الكلام و خرجنا عما نحن بصدده، فنعود الآن الى ذكر مؤلفات الشيخ فنقول: إن في مؤلفات شيخ الطائفة ميزة خاصة لا توجد فيما عداها من مؤلفات السلف، و ذلك لأنها المنبع الأول و المصدر الوحيد لمعظم مؤلفي القرون الوسطى، حيث استقوا منها مادتهم و كونوا كتبهم، و لأنها حوت خلاصة الكتب المذهبية القديمة و أصول [١] الأصحاب، فقد مر عليك عند ذكر هجرة الشيخ الى النجف الأشرف أن مكتبة سابور في الكرخ كانت تحتضن الكتب القديمة الصحيحة التي هي بخطوط مؤلفيها أو بلاغاتهم، و قد صارت كافة تلك الكتب طعمة للنار كما ذكرناه، و لم نفقد بذلك- و الحمد لله- سوى أعيانها الشخصية و هيئاتها التركيبية الموجودة في الخارج، و أما محتوياتها و موادها الأصلية فهي باقية
[١] الأصل: عنوان يصدق على بعض كتب الحديث خاصة، و الأصول الأربعمائة هي: أربعمائة كتاب ألفت من جوابات الامام الصادق (عليه السلام)، و قد تكلمنا عنها في غاية الوضوح و الدقة في كتابنا «الذريعة الى تصانيف الشيعة» ج ١ ص ١٢٥- ١٣٥ فليراجعه طالب التفصيل.