الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء(ع) - الأنصاري الزنجاني، إسماعيل - الصفحة ٢٠٠ - المتن
فإذا وصلت إلى جانبك زواريق السبايا، و ترى الجواري فيها ستجد طوائف المبتاعين من وكلاء قوّاد بني العباس و شرذمة من فتيان العرب. فإذا رأيت ذلك فأشرف من البعد على المسمى عمر بن يزيد النخاس عامة نهارك، إلى أن تبرز للمبتاعين جارية صفتها كذا و كذا؛ لابسة حريرين صفيقين، تمتنع من العرض و لمس المعترض و الانقياد لمن يحاول لمسها، و تسمع صرخة رومية من وراء ستر رقيق.
فاعلم أنها تقول: وا هتك ستراه.
فيقول بعض المبتاعين علي ثلاثمائة دينار، فقد زادني العفاف فيها رغبة. فتقول له بالعربية: لو برزت في زي سليمان بن داود و على شبه ملكه ما بدت لي فيك رغبة، فأشفق على مالك. فيقول النخاس: فما الحيلة و لا بد من بيعك. فتقول الجارية: و ما العجلة و لا بد من اختيار مبتاع يسكن قلبي إليه و إلى وفائه و أمانته.
فعند ذلك قم إلى عمر بن يزيد النخاس و قل له: إن معك كتابا ملطفة لبعض الأشراف، كتبه بلغة رومية و خط رومي، و وصف فيه كرمه و وفاؤه و نبله و سخاؤه؛ تناولها لتتأمل منه أخلاق صاحبه. فإن مالت إليه و رضيته فأنا وكيله في ابتياعها منك.
قال بشر بن سليمان: فامتثلت جميع ما حدّه لي مولاي أبو الحسن (عليه السلام) في أمر الجارية. فلما نظرت في الكتاب بكت بكاء شديدا و قالت لعمر بن يزيد: بعني من صاحب هذا الكتاب، و حلّفت بالمحرجة المغلظة أنه متى امتنع من بيعها منه قتلت نفسها.
فما زلت أشاحّه في ثمنها حتى استقر الأمر فيه على مقدار ما كان أصحبنيه مولاي (عليه السلام) من الدنانير. فاستوفاه و تسلّمت الجارية ضاحكة مستبشرة، و انصرفت بها إلى الحجيرة التي كنت آوي إليها ببغداد.
فما أخذها القرار حتى أخرجت كتاب مولانا من جيبها و هي تلثمه و تطبقه على جفنها و تضعه على خدها و تمسّحه على بدنها. فقلت تعجبا منها: تلثمين كتابا لا تعرفين صاحبه؟! فقالت: أيها العاجز الضعيف المعرفة بمحل أولاد الأنبياء! أعرني