الفائق في غريب الحديث - الزمخشري - الصفحة ١٦٢ - الجيم مع الباء
يقول: و اللّٰه إِنكم لتُجَبِّنُونَ و تُبَخِّلُونَ و تُجَهِّلُونَ، و إنكم لَمِنْ رَيْحَانِ اللّٰه، و إنَّ آخِرَ وَطْأَةٍ وَطِئَها اللّٰه بوَجّ.
معناه: إن الولد يُوقعُ أباهُ في الْجُبن؛ خوفاً من أن يُقْتَل فيضيع ولدُه بعدَه، و في البخل إبقاءً على مالِه له، و في الجهل شُغْلًا به عن طلب العلم.
الواو في و إنكم للحال، كأَنه قال: مع أنكم من ريحان اللّٰه: أي من رزق اللّٰه. يقال:
سبحان اللّٰه و رَيحانَه: أي أسبّحه و أسترزقه. و قال النمر:
سَلَامُ الإِلٰهِ و رَيْحَانُه * * *وَ رَحْمَتُه و سَمَاءٌ دِرَرْ [١]
[و بعده:
غَمَامٌ يُنَزِّلُ رِزْقَ العِبَادِ * * *فأَحْيَا البِلَادَ و طَابَ الشَّجَرْ]
و هو مخفّف عن رَيِّحَان فَيْعِلَان من الرُّوح، لأن انتعاشه بالرزق. و يجوز أن يُراد بالريحان: المشموم، لأن الشَّمِّامات تسمّى تَحَايَا، و يقال: حيَّاه اللّٰه بطاقةِ نرجس، و بِطَاقَةِ رَيْحَان؛ فيكون المعنى: و إنكم مما كرّم اللّٰه به الأناسيَّ و حيَّاهم به، أو لأنهم يُشمّون و يقبَّلون، فكأنهم من جملة الرَّياحِين التي أَنبتها اللّٰه.
و منه
حديث عليّ (عليه السلام): أَن رسول اللّٰه صلى اللّه تعالى عليه و سلم قال له:
أبا الرَّيْحَانَتَيْن؛ أُوصِيكَ بريحانَتَيَّ خَيْراً في الدنيا قبل أَنْ يَنْهَدَّ رُكْنَاكَ. فلما مات رسولُ اللّٰه (صلى اللّٰه تعالى عليه و سلم) قال عليّ: هذا أَحَدُ الرُّكْنَيْن، فلما ماتت فاطِمَةُ قال: هذا الركنُ الآخر.
الوطأة: مجاز عن الطَّحْن و الإِبادة. قال:
وَ وَطِئْتَنَا وَطْأَةً عَلَى حَنَقٍ * * *وَطْأَ المُقَيَّدِ نابت الْهَرْمِ [٢]
وَجّ: وادي الطائف. قال:
يا سَقْيَ وَجّ و جُنُوب وجّ * * *و احتلّه غَيْثٌ دِرَاكُ الثَّجِّ
و المراد غَزاة حُنين.
و حُنين: وادٍ قِبَلِ وَجّ، لأنها آخر غَزاة أوقع بها رسولُ اللّٰه (صلى اللّٰه تعالى عليه و سلم) على المشركين. و أما غَزْوتَا الطائف و تَبُوك فلم يكن فيهما قِتال.
و وجْهُ عطف هذا الكلام على ما سبقه التأسّفُ على مفارقة أَوْلادِه لقُرْبِ وفاته؛ لأن
[١] البيت في لسان العرب (روح).
[٢] البيت من الكامل، و هو للحارث بن وعلة في الدرر ٣/ ٦٢، و شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ٢٠٦، و لزهير بن أبي سلمى في لسان العرب ١٢/ ٦٠٧ (هرم)، و ليس في ديوانه، و بلا نسبة في لسان العرب ١/ ١٩٧ (وطأ)، و همع الهوامع ١/ ١٨٨.