الفائق في غريب الحديث - الزمخشري - الصفحة ٨٥ - الباء مع الراء
و
روي أنه نزل هو و أبو بكر بأُمّ معبد وَذْفَان مَخْرَجه [١] إلى المدينة. فأرسلت إليهم شاةً فرأى فيها بُصْرة [٢] من لَبن، فنظر إلى ضَرعها، فقال: إن بهذه لبناً، و لكن أبْغيني شاةً ليس فيها لبن، فبعثت إليه بعَنَاقٍ [٣] جَذَعة، فدعا بها رسولُ اللّٰه (صلى اللّه عليه و سلم) فمسح بيده ضَرْعها، و سمَّى اللّهَ و دَعا لها في شائها؛ فتفاجّت عليه و دَرَّت و اجترَّت.
و روي أنه قال لابنِ أمّ معبد: يا غلامُ؛ هات قَرْواً، فأتاه به؛ فضرب ظَهْر الشاة فاجترَّت و دَرَّت، و دعا بإناء يُرْبِضُ الرَّهْطَ، فحلب به ثَجًّا حتى علاه الْبَهاء- و روي: الثُّمال، ثم سقاها حتى رَوِيت، و سقَى أصحابَه حتى رَوُوا، فشرب آخرهم، ثم أَرَاضُوا عَلَلًا بعد نَهل، ثم حلب فيه ثانياً بعد بَدْء حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها، ثم بايعها ثم ارتحلُوا عنها.
فقلَّما لبثت حتى جاء زوجُها أبو معبد يسوق أَعْنزاً عِجَافاً تَشَارَكْن هُزالًا- و روي:
تَسَاوكُ- و روي: ما تَسَاوَق، مُخّهن قليل. فلما رأى أبو معبد اللَّبنَ عَجِب، و قال: من أين لك هذا يا أمّ معبد و الشاءُ عَازِب حِيَال [٤]، و لا حَلوبَ في البيت؟
قالت: لا و اللّٰه إلا أنه مرَّ بنا رجلٌ مُبَارك مِنْ حاله كذا و كذا. قال: صِفيه لي يا أم معبد. قالت: رأيتُ رجلًا ظاهرَ الوضاءة، أَبلج الوجه، حَسَن الخلق، لم تعْبه ثجْلَة، و لم تُزْر به صُقْلة- و روي صَعْلة- و روي لم يعبه نُحْلة [٥]، و لم يزر به صُقْلة، وَسِيماً قسيماً، في عينيه دَعَج، و في أشفاره عَطَف. أو قال غَطَف- و روي وَطَف. و في صَوْته صَحَل، و في عُنُقه سَطَع، و في لحيته كَثاثة، أزجّ أَقْرن، إن صمت فعليه الوَقَارُ، و إن تكلَّم سما و علاه البَهَاء، و أجلّ الناس و أبهاهم من بعيد، و أحسَنُه و أجملُه من قريب، حُلْو المنطق، فَصْلٌ لا نَزْر و لا هَذَر، كأنما منطقه خَرزات نَظْم يتحدّرون، رَبْعَة لا يائس من طول، و لا تقتحمه عَيْن مِنْ قِصَر، غُصن بين غُصْنَيْن، فهو أنضر الثلاثة مَنْظَراً، و أَحسنهم قَدْراً، له رُفَقاء يَحفُّونه، إن قال أَنْصتوا لقَوْله، و إن أمر تبادَرُوا إلى أَمره، مَحْفود مَحْشود، لا عابِس و لا مُعْتد.
قال أبو معبد: هو و اللّٰه صاحبُ قُريش الذي ذُكِر لنا من أمْرِه ما ذُكِر بمكة، لقد هممتُ أن أصحبَه و لأفعلنّ إنْ وجدتُ إلى ذلك سبيلًا.
[١] وذفان مخرجه: أي عند مخرجه.
[٢] أي أثراً قليلًا يبصره الناظر إليه.
[٣] العناق: الأنثى من أولاد المعز، و الجذع: ما قبل الثني، و الأنثى جذعة، و أجذع ولد الشاة دخل في السنة الثانية.
[٤] عازب حيال: أي بعيدة المرعى لا تأوي إلى المنزل إلا في الليل، و الحيال: جمع حائل و هي التي لم تحمل.
[٥] النُحلة: الدقة و الهزال.