الفائق في غريب الحديث - الزمخشري - الصفحة ١٠ - مقدمة المؤلف
و قد صنّف العلماء رحمهم اللّٰه في كشف ما غَرُب من ألفاظه و استَبْهم، و بيانِ ما اعتاص من أغراضه و استعجم، كُتَباً تَنوَّقوا في تصنيفها، و تَجَوَّدوا، و احتاطوا و لم يتجوَّزوُا [١]، و عكفوا الهمم على ذلك و حَرِصُوا، و اغتنموا الاقتدار عليه و افْتَرصوا، حتى أحكموا ما شاءُوا و أتْرَصوا [٢]، و ما منهم إلا من بطش فيما انتحى بباع بسيط، و لم يزلَّ عن موقف الصواب مقدار فَسِيط [٣]، و لم يَدَع المتقدمُ للمتأخر خَصاصةً [٤] يَسْتظهِر به على سدِّها، و لا أَنْشُوطة [٥] يستنهِضه لِشَدِّها، و لكن لا يكاد يجد بدًّا من نَبغَ في فن من العلم، و صبغ به يده، و عانى فيه وُكْدَه [٦] و كَدَّه، مِنَ اسْتِحباب أن يكون له فيه أثر يُكْسبه في الناس لسانَ الصدق و جمال الذكر، و يخزنُ له عند اللّٰه جزيل الأجر و سَنِيَّ الذُّخر.
و في صَوْب هذين الغرضين ذهبتُ عند صَنْعة هذا الكتاب غير آلٍ جُهداً، و لا مقصّر عن مَدَى، فيما يعود لِمُقْتَبِسِه بالنُّصْحِ، و يرجع إلى الراغبين فيه بالنُّجح، من اقتضاب ترتيب سَلِمت فيه كلمات الأحاديث نسقاً و نَضَداً، و لم تذهب بَدَداً، و لا أيدي سَبَا، و طَرائِقَ قِدَدَا، و من اعتماد فَسْرِ مُوضِح [٧]، و كشف مُفْصح، اطلعت به على حَاقِّ المعنى [٨] و فَصِّ الحقيقة [٩] اطلاعاً مُؤَدَّاه طمأنينة النفس، و ثَلج الصدر، مع الاشتقاق غير المستكره، و التصريف غير المتعسّف، و الإعراب المحقق البَصْري، الناظر في نص سيبويه و تقرير الفَسَويّ [١٠]، فأيَّة نفس كريمة، و نَسمة زاكية، نوّر اللّٰه قلبها بالإِيمان و الإِيقان، مرّت على هذا التبيان و الإِتقان، فلا يذهبن عليها أن تدعو لي بأن يجعله اللّهُ في موازيني ثِقَلًا و رُجحَاناً، و يُثيبني عليه رَوحاً و ريحاناً. و اللّٰه عزّ سلطانه المرغوبُ إليه في أن يُوزِعنا الشكر على طَوْله و فضله، و ألا نُقْدم إلا على أعمال الخير خالصةً لوجهه و من أجله؛ إنه المنعم المنّان.
[١] أي لم يتساهلوا.
[٢] أترص الشيء: سواه و عدله.
[٣] الفسيط قلامة الظفر.
[٤] الخصاصة: الخلل.
[٥] الأنشوطة: عقدة يسهل حلها.
[٦] الوكد: السعي و الجهد.
[٧] الفَسْرِ الموضح: البيان الموضح.
[٨] حاق المعنى: صادق المعنى.
[٩] فص الحقيقة: مفصل الحقيقة.
[١٠] الفسوي هو أبو علي الفارسي، نسبة إلى فسا قرية في بلاد فارس.