تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١١٤ - قوله عز اسمه سورة الواقعة(٥٦) آية ٨٠
و فيه عظائم أخلاق اللّه يتخلّق [١٥] به خاتم الأنبياء- عليه و عليهم السلام- لقوله: وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [٦٨/ ٤].
فإذا تقرّر هذه المقدّمات و تبيّنت فنقول في كيفيّة تنزيل الكلام و إنزال الكتب: إنّ الروح الإنسانيّة كمرآة مجلوّة إذا صقلت بصقالة العقل النظري و زالت عنها غشاوة الطبيعة و رين المعصية فحينئذ لاح لها نور المعرفة و الايمان، و هو المسمّى عند أئمّة الحكمة بالعقل بالفعل، و بهذا النور يتراءى فيها حقائق الملكوت و خفايا الجبروت، كما يتراءى الأشباح المثاليّة في المرايا العقليّة إذا لم تفسد صقالتها بطبع و رين، لقوله وَ طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ [٩/ ٨٧] كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ [٨٣/ ١٤].
فإذا أعرضت عن البدن و الاشتغال بما تحتها من الشهوة و الغضب و الحسّ و التخيّل و توجّهت و ولّت بوجهها تلقاء عالم الملكوت الأعلى اتّصلت بالسعادة القصوى و رأت عجائب الملكوت و الآيات، كما في قوله: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى [٥٣/ ١٨].
ثمّ إنّ هذه الروح إذا كانت قدسيّة شديدة القوى، قويّة الإنارة لما تحتها، لا تشغلها جهة فوقها عن جهة تحتها، فتفي للجانبين و تضبط للطرفين، لا يستغرقها لغاية قوّتها و شدّة تمكنها حسّها الباطن عن حسّها الظاهر و ليست كالأرواح العاميّة الضعيفة إذا مالت إلى الجانب الباطن غابت عن الجانب الظاهر، و إذا رجعت إلى مطالعة الظاهر غابت عن مطالعة الباطن، و إذا حضرت في شهود نشأة احتجبت عن النشأة الاخرى، بل إذا
[١٥] ان يتخلق- نسخة.