تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤١ - قوله عز اسمه سورة الواقعة(٥٦) آية ٢٤
فمقتضى طبعها معرفة صور الأشياء العقلية، من إدراك الحقّ الإله و ملائكته، و إدراك خلق العالم و افتقاره إلى خالق مدبّر حكيم موصوف بالصفات الإلهيّة، و بها تحصل لذّته و سعادته، كما أنّ بمقتضى طبع ساير القوى تحصل لذّتها.
و لا يخفى على ذوي البصائر إنّ في المعرفة و الحكمة لذّة تفوق ساير اللذّات، و من لم يدرك إنّ في الحكمة لذّة و في تركها ألما فذلك لأنّه لم تخلق بعد هذه الغريزة النورانيّة و البصيرة الباطنة في قلبه. فقد علم إنّ سعادة الجوهر العقلي من الإنسان في إدراك الحقائق العقليّة و فيها نعيمه. فنعيمه لا يوجد في السماء و لا في الأرض و لا في الدنيا و لا في الآخرة، و لا في الجنّة و لا في النار. و بوجه يوجد في الجميع، إذ لكلّ واحدة منها حقيقة عقليّة و صورة مفارقة يشاهدها العارف و يستلذّ بها في مرائي محسوساتها و مظاهر قابليّاتها محتجبة عن الأبصار، مختفية عن أنظار الأغيار، إلا أنّها لا ينكشف له حقّ الانكشاف، و لا يتجلّى له كلّ التجلّي إلّا بعد الانقطاع التامّ عن الدنيا و الانتزاع عن المادّة البدنيّة فيتجلّى له حينئذ تجلّيا يكون انكشاف تجلّيها بالقياس إلى ما علمه كانكشاف تجلّي المرايا [٣٩] بلا حجاب بالقياس إلى أشباحها الخياليّة، بل المعرفة الحاصلة في قلبه هي بعينها تستكمل في حقّه و تنقلب مشاهدة صريحة، كما أنّ نفسه المدبّرة لبدنه تنقلب في الاستكمال عقلا مفارقا، و لا يكون بين المشاهدة في الآخرة و المعلوم في الدنيا اختلاف إلّا من حيث زيادة الكشف و تمام الوضوح كما في قوله: نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا [٦٦/ ٨].
[٣٩] المرئيات- نسخة.