تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٨٩ - قوله عز اسمه سورة الواقعة(٥٦) الآيات ٦٨ الى ٧٠
و إن كان زمامه بيد جاذب فما الذي سخر ذلك الجاذب حتّى يجذبه إلى فوق و ساير الجوانب، فإن كان ينتهي بالأخرة إلى خالق السموات و الأرض و جبّار الملك و الملكوت، فلم لا يحال عليه في أوّل الأمر حتّى يخلص من هذا الشرك؟! فنهاية أمر الجاهل بداية حال العاقل.
فقوله: الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أي: تشربون أنتم و أشجاركم و زروعكم، بل شرب الأشجار و الزروع لدى الإعتبار عند اولي الأبصار هو شرب الإنسان، فإنّ الماء يبدرق الطعام إلى ما يتغذى به النبات و الحيوان، و يسوقه من المواضع البعيدة إلى الإنسان بعد الاستحالات.
و قوله: لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً أي: جعلناه ملحا زعاقا لا يقدر على شربه كما كان أولا في البحر، أو أبقيناه فيه على حاله من غير أن نصعده إلى فوق ثمّ نرسله إلى مواضع الأرض.
فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ أي: لا تعرفون قدر هذه النعمة العظيمة، فإنّ الشكر كسائر المقامات له جزء علميّ- هو كالأصل- و جزء عملي كالفرع [٥٥] فمن عرف الأصول التي منها تحصل الأطعمة و تصير صالحة لأن يتغذّى بها الإنسان يعلم أنّ تلك الأسباب لأجل سياقة العباد إلى عالم المعاد، فيعمل بالضرورة عمل أهل الآخرة، كما قال تعالى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ* أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا الآية [٨٠/ ٢٥].
فإنّك إذا نظرت إلى طعامك عرفت أنّه قد حصل من الماء و التراب، و إذا نظرت إليهما عرفت أنّهما بصرافتهما لا يغذيانك، فتحتاج إلى البذور و الحبوب، فإذا وجدت حبّة أو حبّات، فلو أكلتها لفنيت و بقيت جائعا، فما
[٥٥] هو فرعه- نسخة.