تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٢٥ - الإشراق الثامن ظهور صور الأعمال و الملكات في الآخرة
و ظاهر أنّ النفس ما لم تمت عن نشأتها النفسانيّة لم تتّحد بالعقل الفعّال المنور لما في الدار الآخرة من الصور و المهيّات، فهذا الفناء الذي استحقّ به الروح الإنساني الإحياء الاخرويّ بنور اللّه إنّما استفاده بسبب النفس الحيوانيّة التي هي ذائقة الموت و قابلة الفناء، فافهم و اغتنم فإنّه عزيز الجدوى.
الإشراق الثامن [ظهور صور الأعمال و الملكات في الآخرة]
إنّ قوله تعالى: فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إشارة إلى ظهور صورة الأعمال و الأخلاق يوم القيامة، فإنّ الناس يحشرون يوم القيامة على صور نيّاتهم و هيئات ضمائرهم و أشكال أخلاقهم و صفاتهم الحاصلة من تكرّر الأفاعيل و المعاملات المؤثرة في القلوب إنارة و إظلاما، فإنّ الأعمال هاهنا بمنزلة الحراثة و الزراعة و طرح البذور في أراضي القلوب، و النيّات و الإعتقادات المستورة فيها بمنزلة البذور، و مدّة الكون في الدنيا كمّدة الشتاء التي يحتجب الأرض فيها عن الشمس عن سمت رؤس أهلها، فإذا ارتفع النهار و اشتدّ حرارة الشمس وقت الربيع يظهر ما كمن في باطن الأرض من البذور، و يحصل الأزهار و الأثمار، و انكشف ما ستر في بواطن الأشجار من الأنواع المختلفة و الألوان المتضادّة، فيكون كلّ ثمرة مناسبا لحبّه و بذره، و يكون فيها بعضها حلوا و بعضها مرّا و بعضها حامضا، و بعضها ترياقا نافعا، و بعضها سمّا ناقعا.
فهكذا يكون الحال يوم قيام الساعة و طلوع شمس الحقيقة من مغربها، و عند ذلك يكون حشر الحقائق: وَ حَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً [١٨/ ٤٧] و بروزها للحقّ تعالى: وَ بَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [١٤/ ٤٨]