تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٨٢ - الإشراق الثالث النور الفائض على القلب
أن ينقرع و ينقلع حامله بتموّج ما يجاوره من الهواء الراكد، و كذا القوّة الشميّة القائمة بعصب اللسان تنفعل عن المذوقات بسبب تكيّف آلتها التي هي رطوبة لعابيّة بكيفيّة المطعومات، و نسبة تلك الرطوبة إلى كيفيّة الطعوم كنسبة الجرم المشف إلى كيفيّة الضوء و اللون، و هكذا قياس سائر الحواس الظاهرة و الباطنة.
فالوهم يدرك الموهومات و العقل الذي هو جوهر مفارق يدرك الحقائق المجرّدة عن الغواشي الماديّات، فالإنسان بكلّ قوّة و بكلّ نشأة تكون له و فيه حصّة منها يدرك ما في تلك النشأة من الأمور الغريبة.
و لهذا قال بعض الحكماء: العقل نور اللّه، و لا يهتدي إلى النور إلّا النور ٣٣، و لا يظهر صورة فردانيّة إلّا في مرآة فردانيّة، و النفس مرآة العقل و مرآة العقل لا تشبه مرآة الأجسام، و مرآة اللّه لا تشبه مرآة غير اللّه- انتهى.
و إليه الإشارة بقوله تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ [٢٤/ ٤٠].
فإذا علمت ما ذكرناه- فاعلم إن من جملة القوى المودعة من أمر اللّه في العالم الإنساني هو نور فائض من اللّه على قلب المؤمن المجاهد في سبيل اللّه، و هو إنّما يجيء إليه من عالم الملكوت، و يقذف في قلبه بعد استكماله بمراتب الحسّ و الخيال و الوهم و العقل بالعلوم الرسميّة و الآداب الشرعية، و طور ذلك النور فوق أطوار سائر المدارك و المشاعر و العقول الجمهوريّة، و هو من أنوار النبوّة و الولاية.
فبذلك النور يقبل الأحكام النبويّة و يفهم الأسرار الإلهيّة و ينال الحظّ