تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٩ - مقدمه المؤلف
من معدن الشرّ و الوبال، و الاتصال بأنوار المبدإ الفعّال، ليصير أحد سكّان عالم الخير و النور، متنعّما بنعيم الآخرة و دار السرور، و متخلّصا عن عالم الزور و مخالطة الآفات و الشرور. فلم يجز في دأب الرحمة الإلهيّة و سنّة العناية الربّانيّة إهمال الإنسان عمّا خلق لأجله و اهّل له، بأن يترك سدى، و إرساله كسائر الحيوان في مراتع الجهالات بغير هدى.
و من المعلوم إنّ لكلّ شيء كمالا يخصّه لأجله خلق، و فعلا معيّنا يتممّه إذا له وفّق، و كمال الإنسان في إدراك الحقايق الكليّة، و نيل المعارف الإلهيّة، و التجرّد عن المحسوسات الماديّة، و الخلاص عن القيود الشهوية و الغضبيّة.
و هذه لا تتحصّل إلّا بالهداية و التعليم، و التأديب و التقويم. فبعث اللّه رسولا و معلّما، و أرسل كتابا جامعا فيه لبّ أسرار التأويل و تفاصيل أحكام التنزيل، متضمّنا لعلوم الأوّلين و الآخرين، مشتملا على خلاصة الآداب و السنن التي كانت لساير النبيّين و المرسلين، مع زيادة إكمال و تتميم، و فصاحة مقال في ألفاظ الترقيم، و نزّلها منجّما على حسب المصالح و الأوقات، و فصّلها في صور السور و الآيات، كلّ سورة من سوره بحر مملوّ من جواهر المعاني و البيان، بل فلك محشو من كواكب الحقايق و الأعيان و كل آية من آياته صدفة مكنونة فيها درر ثمينة و قيّمة، كلّ منها توازي روح الإنسان، بل دراري تتلألأ و تستضيء [٢] في سماء الهداية و النبوّة و الولاية، فتنشأ من لمعاتها و إضاءتها حيوة الإنس و الجان، في النشأة الآخرة و دار الحيوان، و الخلاص من ظلمة العمى و الحرمان و عذاب القبر و النيران.
و سورة الواقعة من بينها مشتملة على أسرار شريفة من علم المعاد،
[٢] تلمع- نسخة.