تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٤٢ - الإشراق السابع في تحقيق القول من سبيل آخر
فإذا تقرّر هذا عندك و علمت بمثل هذا التقسيم فيها و في جميع العبادات، و اتّضح أيضا لك و تأكّد عندك حسبما قدّمناه إليك أنّ الصلوة منقسمة إلى رياضيّ جسماني و إلى حقيقي روحاني، فأعلم إنّ نفوس الإنسان متفاوقة بحسب آثار القوى و الأرواح و الدواعي المركبة فيها، فمن غلب عليه الروح الطبيعي و الحيواني فإنّه عاشق البدن، يحبّ نظامه و تزيينه و أكله و شربه و لبسه و طالب لجذب منفعته و دفع مضرّته. و هذا الطالب من عداد الحيوانات و في زمرة البهائم، فأيّامه مستغرقة باهتمام بدنه و أوقات عمره موقوفة على مصالح جثّته و شخصيّته، فهو غافل عن الحقّ، جاهل بأمره، فلا يجوز له التهاون بهذا الأمر الشرعي اللازم الواجب، و إن قعد عنه فبالسياسات و الزواجر يكره عليه و يجبر حتّى لا يفوت عنه بالكليّة حقّ التضرّع و الاشتياق إلى اللّه تعالى، ليفيض عليه بجوده و ينجيه من عذاب وجوده، و يخلصه من آمال بدنه و يوصله إلى منتهى أمله، فإنه لو انقطع عنه قليل خير لتسارع إليه كثير شرّ، و لكان أدنى درجة من البهائم و أضلّ سبيلا من الأنعام.
و من غلب عليه قواه الروحانيّة و تسلّط على هواه قوّته الناطقة و تجرّدت عن محبّة الدنيا و علائق العالم الأدنى، فهذا الأمر الحقيقي و التعبّد الروحاني و ذكر اللّه بالقلب و مناجاته و قرباته واجب عليه أشدّ وجوبا و أقوى إلزاما، كما قيل «الحكمة أشدّ تحكّما على باطن العاقل من السيف على ظاهر الأحمق».
لأنّه استعدّ بطهارة نفسه و شرافة عقله ليفيض عليه ربّه، فلو أقبل عليه بمشقّة و اجتهد في تعبّده لتسارع إليه جميع الخيرات العلويّة و السعادات الاخرويّة، حتّى إذا انفصل عن جسمه و فارق الدنيا يدخل عليه الملائكة من كلّ باب و يشاهد مفيضه و موجده و مكمله ربّ الأرباب و يجاور حضرته و يلتذّ