تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٦٢ - الأول
و من علامة المحبّة ذكر المحبوب: من أحبّ شيئا أكثر ذكره.
و قيل: المراد بالذكر هاهنا الفكر، كما
قال صلّى اللّه عليه و آله: «تفكّر ساعة خير من عبادة سنة» [٢] و روي: «سبعين سنة» أيضا [٣].
و ذلك يشبه أن يكون حقّا، فإنّ الفكر بالحقيقة هو الذكر الحقيقي القلبي، لأنّ حقيقة الإنسان و روحه هو باطنه و سرّه، لا بدنه و هيكله المحسوس، فالذكر الحقيقي منه ما يقع من لسان قلبه و إحضاره و إخطاره صورة المذكور في باله، و لهذا
ورد في الحديث القدسي: «أنا جليس من ذكرني» [٤]
و اللّه سبحانه أجلّ و أرفع من أن يكون جليس البدن حاضرا عنده، و لكن مع تجرّده و تقدّسه ممّا يحضر في قلب العارف و يقع عليه نوره.
و اعلم إنّي لا أظنّ أحدا من الناس أو في بعهد اللّه و عمل بمقتضى هذه التوصية منه في باب إكثار ذكر اللّه و المداومة عليه و بالحقيقة إلّا الحكماء العارفين باللّه، لأنّهم هم الذاكرون اللّه كثيرا، و هم الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ و هم كالمشعوفين بهذا الأمر وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ و ذلك لأنّ كلّ أحد سواهم له دوام شغل بغير اللّه و آياته و أفعاله من صنائعهم العلميّة و العمليّة-:
مثلا: النحويّ أكثر اهتمامه بحفظ قوانين النحو، لأنّه الغالب على طبعه، و كذا اللغويّ و الشاعر و ما يجري مجراهم، و همّة المنجّم طول عمره مصروفة في
[٢] تفسير العياشي: ج ٢ ص ٢٠٨.
[٣] جاء في الدر المنثور ج ٢ ص ١١١: «ثمانين سنة».
[٤] البحار: باب ذكر اللّه تعالى، ج ٩٣ ص ١٥٣.