تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٣١ - الإشراق الثالث في الحكمة المتعلقة بالنداء - أي الأذان
الأذان. فشرع قبل الصلوة ليتنبّه و يعرض عن غير اللّه و يتوجّه بشراشر قلبه و سرّه إلى جناب القدس ليستأهل لمناجاة الحقّ، لأنّ الإنسان متغيّر عمّا هو عليه حالا بعد حال، متعرّض للانتقال و الزوال، ليس له قوّة الثبات على أمر.
و لهذا كان النبي صلّى اللّه عليه و آله مع جلالة قدره و علوّ سرّه يؤمر بالثبات و الاستقامة و يسئل الثبات على الدين و الطاعة، فكان شرع الأذان موجبا لانتباه النفوس الراقدة، معدّا لأن يستأهل النفس لذكر اللّه، لأنّه معراج المؤمن، و ذكر العبد للّه مستلزم لذكر اللّه العبد كما قال تعالى:
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [٢/ ١٥٢].
و
في الحديث القدسي: «من ذكرني في خلأ ذكرته في خلأ، و من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه» [١١].
و معلوم إنّ من ذكر الحقّ فقد جالسه،
لقوله تعالى: أنا جليس من ذكرني [١٢].
و من جالس من ذكره و هو ذو بصيرة رأى جليسه و شاهده، و من شاهده فقد أدركه، و هذا غاية مطلب الصديقين، و مآل حال أهل اللّه و بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ.
ثمّ الأذان مجمع صفات الجلال و الإكرام، و أوّل أجزائه: «اللّه اكبر» و هو إيذان بأنّ اللّه أكبر من جميع الأشياء، بل هو أكبر من أن ينسب إليه هذه النسبة، فإنّ الكبرياء ردائه، و العظمة إزاره، و وظيفة السامع من استماع هذه الكلمة الرجوع إلى اللّه تعالى و رفض ما سواه الذي هو ظلّه، لأنّ الوجود كلّه للّه من حيث ذاته و من حيث أسمائه الحسنى و من حيث أفعاله لا وجود لما سواه.
[١١] المحاسن: ج ١ ص ٣٩. و جاء ما يقرب منه في الكافي: ج ٢ ص ٤٩٨ و ٥٠١.
[١٢] الكافي: كتاب الدعاء، باب ما يجب من ذكر اللّه ... ج ٢ ص ٤٩٦.