تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٧٥ - الإشراق الرابع أحوال الذاكر و مراتب سلوكه
و الأولياء عليهم السّلام في صور جميلة يفيض بواسطتها عليه بعض الحقائق، و ذلك في البداية إلى أن يعلو درجته عن المثال فيكافح بصريح الحقّ في كلّ شيء. فإذا ردّ إلى العالم المجازي و جواهره التي هي كالظلال ينظر إلى الخلق نظر مترحّم عليهم، لحرمانهم عن مطالعة جمال حضرة القدس، و يعجب من أصحاب الفهوم الفكريّة و أرباب العلوم و العقائد الجزئيّة و قناعتهم بالظلال و انخداعهم بعالم الغرور و الخيال، مع ما كان لهم أوّلا من الاستعداد لطلب الكمال و الارتقاء إلى عالم الحقّ المتعال، فأفسدوه بانكبابهم إلى أغراض هذا الأدنى، و إعراضهم عن الطريق المثلى، و انحرافهم عن مطالعة آيات اللّه الكبرى، و مع ذلك فيعاشرهم و يخالطهم بالظاهر، و يكون البعد بينه و بينهم بحسب الباطن كما بين المشرق و المغرب، فيكون معهم حاضرا بشخصه، غائبا بقلبه، تعجب هو من حضوره و يتعجبون من غيبته- لو تفطّنوا.
فهذه ثمرة لباب الذكر، و إنّما مبدئها ذكر اللسان، ثمّ ذكر النفس تكلّفا، ثمّ ذكر القلب طبعا، ثمّ استيلاء المذكور على الروح، ثمّ انمحاء الذكر عن السرّ حقيقة. و هذا سرّ قوله: وَ اذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
و سرّ
قوله صلّى اللّه عليه و آله: «من أحبّ أن يرتع في رياض الجنّة فليكثر ذكر اللّه» [١٧].
بل سرّ
قوله صلّى اللّه عليه و آله: «فضل [١٨] الذكر الخفيّ على الذكر الذي يسمعه الحفظة سبعين ضعفا».
[١٧] جاء ما يقرب منه في المسند: ٣/ ١٥٠. و معاني الاخبار: ٣٢١.
[١٨] تفضل- نسخة.